سيرة إسماعيل الأزهري
16 مارس, 2008
لا شك أن الشعوب العظيمة تحتفي برموزها الشامخة التي قدمت لها خدمات جليلة في شتى المجالات ومختلف الميادين وقد شهدت فترة التحرير ظهور رموز قومية عديدة وقد سعى كل المواطنين بدرجات متفاوتة لإستقلال السودان وكل منهم كان يعمل من ا لمنظور الذي اقتنع به وظهر تياران رئيسيان في السودان أحدهما هو التيار الإستقلالي والآخر هو التيار الإتحادي واختلفت السبل وتعددت الوسائل وكانت الغاية في النهاية واحدة اذ إتحدت كلمة التيارين وصبت كل الجهود في نهر الحرية الطامح وتيارها الجارف وتوجت الجهود برفع العلم على سارية القصر إيذاناً بإستقلال السودان وكان هذا محصلة جهد جيل بحاله ولذلك كتب الأستاذ أحمد خير المحامي كتابه كفاح جيل ولا ريب أن لذلك الجيل حداة ركبه وبناة مجده وقادة زحفه إلى العلا وطلائع السمو به إلى الذرى الشامخات.
والسيد إسماعيل الأزهري كان من طلائع النضال والجهاد الوطني وكان دوره بارزاً وقد سجل اسمه في سجل الخالدين في معركة التحرير التي كان من فرسانها الصناديد.
والشعوب الحية هي التي تقدر جهود بنيها الأفذاذ وتنزلهم منازلهم اللائقة بهم وأمتنا تحفظ الحق ولا يحفظ حق الرجال الا الأماثل الأماجد. ولتكن مثل هذه الوقفات تشحذ الهمم وتستنهضها لتستشرف معالي الأمور وتروم بلوغ نواصيها والإرتقاء لمعاليها. واذا كان ذاك الجيل قد أدى دوره في معركة التحرير فإن على الأجيال التالية التقاط القفاز لمواصلة المشوار في معركة الجهاد الكبرى المتمثلة في البناء والنماء والتعمير ليكتمل الإستقلال الحقيقي الذي تكون الكفاية والعدالة الإجتماعية هي لحمته وسداه. واذا كان الاستقلال الأول الذي نحتفل بذاكره هو حصول السودان على استقلاله ورفع العلم على سارية القصر فإن الاستقلال الثاني يتمثل في العمل الدؤوب لتحرير المواطن السوداني تحريراً تاماً من قيود الإستغلال والاسترقاق السياسي والذل وإرتهان إرادته ليتصرف الآخرون بالإنابة عنه واعتبار بعض الجيوب مجرد سوائم في قطيع كبير.
وإننا إذا ندرك بأن الناس لا يمكن أن يسيروا سراة لا هداة لهم. وإن المجتمعات لها قانون تطورها ويجب أن تكون لها رموزها المحترمة إلا أننا نؤمن بأن هذا يجب أن يتم في ظل العمل المؤسسي الديمقراطي الذي يجعل موقع كل سوداني حسب قدراته ووفق إمكانياته ومؤهلاته لأن الأمم ليست متاعاً يورث أوعقاراً يقتنى ولذلك فإننا عند ذكر الاستقلال سنظل نردد مقولة الأزهري «إرفع رأسك حرر نفسك».
وإسماعيل الأزهري حفر بأظافره على الصخر الصلد وبنى مجده بنفسه وكانت له من الصفات الزعامية والمؤهلات القيادية ما دفعه دفعاً للرئاسة ومن ثم إلى الزعامة برغم كل المعوقات التي اعترضت طريقه وبرغم المحن والإحن والحسد الذي احاط به وقد بدأ العمل وسط الخريجين الذين كان من قادتهم ثم ما لبث أن صار قائدهم الأول بلا منازع. وقيادة المستنيرين ليست بالأمر الهين اليسير لا سيما أولئك الخريجين الأفذاذ الذين كان يعمل وسطهم وهم من أساطين الفكر وحملة مشاعل النور وقد نازعه الكثيرون حول رئاسة حزبه وحول رئاسة الوزارة ولكنه كان صلب العزيمة قوي الشكيمة فولاذي الإرادة وخاض معارك شرسة واستطاع أن يشق طريقه بقوة وثبات يزينه صبر وجلد وحنكة وسعة صدر كما يروي معاصروه في مختلف مراحل حياته العامة وتحفظ له المضابط البرلمانية والليالي والندوات السياسية أنه لم يعرف الهتر سقط القول.
وكان واسع الصدر حليماً ووسط رهطه كان غرة القوم وجبين الجماعة وانتزع الزعامة إنتزاعاً من منافسيه في التيار الذي كان ينتمي إليه لأنه كان شعبياً منغمساً مع الجماهير في همومها ويلم إلماماً تاماً بنبض الشارع فدانت له الزعامة وأتته تجرجر أذيالها وقد كتب عنه المرحوم خضر حمد في مذكراته صحفة 236:- (لقد عرفت الرئيس منذ أن جمعتنا الحركة الوطنية وكنت أوائلها أختلف معه في المبدأ وكنت كلما هاجمني أعوانه ومناصروه هاجمته هو وتجاهلت الآخرين وكان لا يرد مطلقاً على جريدة أو هجوم وكان كثيراً ما يقرأ ويضحك فله من قوة الإحتمال والصبر ما ليس لغيره ثم ربطت بيننا الحركة الوطنية أيضاً وأصبحنا في حزب واحد هو الحزب الوطني الإتحادي هو رئيسه وأنا سكرتيره وكنت أحد الذين كونوا هذا الحزب وكنا ثلاثة وكان ثلاثتنا لا يناصر الأزهري وبعضهم يكرهه ولكن بالرغم من ذلك لم نجد مناصاً من انتخابه رئيساً للحزب لأننا لم نجد سواه أو من يماثله فنال الرئاسة عن جدارة.
وفي فترة الحكم بدأت أشعر بأنه رجل يقدر المسؤولية تماماً ويعرف واجبه وقاد السفينة وأصر على أن تسير وفق الإتفاقية والا يعطي فرصة لتدخل الانجليز إلى أن تم الإستقلال ومضينا في التعاون مع بعضنا البعض وصفات أزهري الممتازة كثيرة وعلى كثرتها يعرفها العدو والصديق ولا ينكرها إلا مكابر حاقد)… ويستطرد في حديثه عن الرئيس أزهري في مذاكراته قائلاً (وفي السجن ظهرت منه صفات أخرى هي تدينه ومداومته على قراءة القرآن والفقه والتاريخ هذا إلى جانب إهتمامه بالتخطيط فقد كان ضمن كتبة تقويم السودان وخرطه وكان يدرس الطرق وأماكن المياه وتطوير الرعاة وكان اهتمامه بالخريف عظيماً وكان يتحدث عن الثروة الحيوانية والإهتمام بها وبالصعيد وكنا كلما نلتقي في الفطور أو الغداء أو العشاء يأتيني بسؤال سواء في القرآن أو الفقه أو السودان عموماً، لا يتكلم عن الغير ولم يسأل ولو مرة واحدة لماذا نحن هنا ومتى نخرج وماذا يريدون منا وكان مؤمناً بأن الإنسان لا يشكو للإنسان ومعنى ذلك أنه يشكو الخالق للمخلوق أي أن كل ما يحدث هو من الله ويجب الصبر عليه).
والسيد إسماعيل الأزهري ينتمي لبيت كريم وأرومة طيبة فهو سليل الشيخ إسماعيل الولي الذي تنسب إليه الطريقة الإسماعيلية ولذلك ولد الرئيس الراحل في بيت علم وفقه وتصوف وتقوى وقد كان مولده في يوم 30/10/1900م وقد أطلق عليه جده المكي إبن الشيخ إسماعيل الولي اسم إسماعيل شيخ المعارف ونسبة لكثرة الحاملين لإسماعيل في عائلتهم الكبيرة الممتدة فإنني أشير إليه في هذا المقال باسم الرئيس تمييزاً له عن غيره ممن يحملون هذا الاسم وهم كثر.
ووالد الرئيس الراحل هو السيد أحمد إبن الشيخ إسماعيل المفتي المعروف باسماعيل الأزهري إبن السيد أحمد الأزهري إبن السيد إسماعيل الولي. وقد عرفت أسرتهم باسم الأزهري ومرد هذا الإرتباط أن جدهم السيد أحمد إبن السيد اسماعيل الولي قد درس بالأزهر الشريف حتى حصل على الشهادة العالمية وهو أول من أطلق عليه لقب الأزهري من أسرتهم وعمل بالتدريس في الأزهر لمدة أربعة أعوام وقد اصطحب معه لمصر إبن خاله الشيخ محمد البدوي وألحقه بالأزهر الشريف وصار فيما بعد شيخ علماء السودان.
وعندما عاد الشيخ أحمد الأزهري للسودان عمل بالقضاء الشرعي وأيضاً درس إبنه السيد إسماعيل بالأزهر الشريف حتى حصل على الشهادة العالمية أيضاً وعاد للسودان حيث عمل بالقضاء حتى أصبح مفتي الجمهورية وقد درس إبنه أحمد والد الرئيس أيضاً بالأزهر الشريف حيث حصل على الشهادة العالمية وعمل بالقضاء الشرعي وعند تقاعده بالمعاش التحق بالمعهد العلمي بأم درمان وعمل فيه معلماً حتى توفى في أواخر الخمسينات من القرن الميلادي الماضي.
ووالدة السيد أحمد إسماعيل الأزهري أي جدة الرئيس الراحل هي السيدة جارة عبد القادر وهي أيضاً جدة السيد إبراهيم المفتي لأمه. ووالدة الرئيس أزهري هي السيدة ست البنات إسماعيل المفتي وهي عمة السيد إبراهيم المفتي وقد توفيت في عام 1939م.
وللرئيس إسماعيل الأزهري شقيق واحد هو السيد علي الأزهري وقد تزوج والد الرئيس زوجة ثانية في حوالي عام 1918م وأنجب منها إبنه محمد وكان محاسباً قانونياً وأستاذاً متعاوناً بالمعهد الفني وبجامعة القاهرة فرع الخرطوم سابقاً طيلة عقد الستينيات من القرن الماضي وله شقيق آخر اسمه دوليب وشقيقة وتزوج والد الرئيس زوجة ثالثة أنجب منها إبنه صلاح وبنتاً هؤلاء هم أخوان الرئيس.
وتنحدر جذور آل الرئيس من منطقة دبة الفقرا بالشمالية وهم بديرية دهمشية وقد تزوج عبد الله بنت عمه مكدَّار ونزح بها إلى مدينة الأبيض حيث استقر وأنجب إبنه إسماعيل الولي الذي أنجب عدداً من البنين والبنات من عدة نساء وتوفى بعض بنيه وهم صغار وأولاده هم محمد عثمان- السيد المكي- السيد البكري السيد أحمد- السيد الماحي- السيد القاسم- السيد عبد الله- السيد محمد- السيد اسحق- السيد موسى- السيد المحجوب- السيد الباقر- السيد محمد أبو القيس وهو أصغرهم.
ودرس الرئيس بالخلوة وقد ذهب مع جده الذي كان يحبه جداً لود مدني حيث كان يعمل قاضياً شرعياً والتحق بالمدرسة الوسطى وكان أول دفعته على طول المدى وبعد إكماله لدراسته بكلية غردون عام 1919م كان مقرراً أن يذهب لمصر ليلتحق بالأزهر الشريف كما فعل والده وأجداده ولكن في ذاك العام سافر السيد إسماعيل الولي الكبير ضمن الوفد الذي سافر لإنجلترا وقد صحب معه حفيده إسماعيل الأزهري ليترجم له ولبعض أعضاء الوفد الآخرين وعندما عادوا من رحلتهم أدرك إسماعيل الأزهري الحفيد بأن الدراسة قد بدأت بالأزهر وأن عليه أن ينتظر عاماً آخر ولذلك التحق بمصلحة المعارف وعمل معلماً بالمدارس الوسطى وعندما حان موعد سفره لمصر في العام التالي كانت له التزامات وفضل أن يواصل عمله بالتدريس ويجدر بنا أن نقف هنا وقفة قصيرة فلو قدر للرئيس أن يذهب لمصر لتغير مجرى حياته وبالتالي تغير مجرى تاريخ البلاد ولرفع العلم شخص آخر غيره. وقد عمل معلماً بمدرسة عطبرة الوسطى لمدة عام وكان يدرس مختلف المواد لا سيما الانجليزية. وفي عام 1927م بعث إلى جامعة بيروت الأمريكية حيث تخصص في مادة الرياضيات وعاد للسودان في عام 1931م ليواصل عمله بالتدريس وكان من أبرز المعلمين بكلية غردون. واستمر في مسيرته العلمية التعليمية حتى عام 1946م وعندما قسمت الكلية لمدرستين ثانويتين نقل لمدرسة حنتوب الثانوية إبعاداً له عن العاصمة لأنه كان قائداً جماهيرياً مؤثراً ولم ينفذ النقل واستقال وتفرغ للعمل العام والقضية الوطنية.
والمعروف عن الأزهري أنه كان يتميز على أقرانه بالإلهام والنفاذ للمستقبل ببصيرته ومن دلائل ذلك أن التيار الإتحادي كان ينادي بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري كما هو معروف.
وعلينا أن نضع في إعتبارنا أن المناخ السياسي في الأربعينيات ليس هو المناخ السياسي في العقود التالية ولكل زمن ظروفه واحد اثباته الخاصة المحيطة به ويجب الا نحكم على الأدبيات والأطروحات السياسية المكتوبة في الأربعينيات ونشرحها بمبضع العقود التالية لها ولكل زمان ملابساته وإحداثياته وظروفه المحيطة به وبرغم أن الأزهري كان يتحدث كالآخرين عن وحدة وادي النيل إلا أنه أحياناً كان يتحدث عن الإستقلال. وعندما كادت السفينة أن ترسو على جبل الجودي في نهاية عام 1955م واتحدت إرادة السودانيين صرح الأزهري بأنه سيعلنه من داخل البرلمان وثبت أن المراحل التي انطوت قد صاحبتها خطوات تكتيكية وكانت معالم على الطريق فأعلن الإستقلال ورفع علم السودان على سارية القصر هو والمحجوب.وكما هو معروف فإن للرئيس أزهري كتابه ( الطريق إلى البرلمان ) وبمكتبة السودان كتيب صغير بعنوان دفاع عن وحدة وادي النيل وقد أعده الأستاذ يحيى الفضلي في عام 1946م وكتب مقدمته السيد إسماعيل الأزهري الذي ألقاه في جمع حاشد وجاء في مقدمته: (إلى هيئة المفاوضات المصرية وإلى شيوخ الأمة ونوابها وإلى المجاهدين من أبناء وادي النيل لتحقيق وحدته المقدسة تحت تاج فاروق المفدي نصره الله). ومع ذلك كان الإستقلال حلماً يراود وبذات القدر الذي كان يضمر فيه توقه للمساهمة في تحقيق الإستقلال كان تطبيق الشريعة الإسلامية أحد هواجسه والمسألة بالنسبة له كان مسألة وقت ليس إلا. وقد ذكر مجموعة من القانونيين النابهين أنه كان يقول لهم عندما يلتقي بهم إن القانون الوضعي قد دخل السودان بالشباك ويجب إخراجه بالباب وظل في مجالس أنسه يسأل الحاضرين ويجيب بنفسه ويتحدث عن الأكثرية المسلمة وعن عدد غير المسلمين من كتابيين ووثنيين ويتحدث عن المناطق التي تكثر فيها صناعة الخمور وكان يقض مضجعه كثرة شاربيها ويتحدث عن تفاصيل كثيرة وكان يؤمن بالعمل التربوي والإصلاحي ويحث القانونيين على الإهتمام بالشريعة الإسلامية والمداومة على الإجتهاد في الإلمام بها. ووفق ما يراه أنه اذا تم التدرج في تطبيقها منذ الستينيات وما قبلها فيمكن تطبيقها بسهولة في العقود التالية مع إحترام وكفالة كافة حقوق غير المسلمين. والمعروف عنه أنه كان إنساناً متصوفاً متديناً وهو إسماعيلي الطريق وظل يدوام على تلاوة القرآن الكريم الذي يفتتح به يومه ويختتمه به.
وحكى أحد أعضاء الحزب الوطني الإتحادي أنه طرق باب الرئيس أزهري في حوالي الساعة الثالثة صباحاً ففتح له الرئيس بنفسه الباب دون أن يقف خلف الباب قبل أن يفتحه ويسأل زائره عن اسمه وغرضه وقال له زائره الا تخشى يا سيادة الرئيس أن يكون الطارق من خصومك ويريد أن يغدر بك ويفتك بك فضحك الرئيس كما حكى زائره وقال له إنني متوضئ والحمد لله والوضو هو سلاح المؤمن فلا تخش عليَّ. وكانت له آراء واضحة كحد السيف في الشيوعية وهو ضدها تماماً وأعلن آراءه في وضوح ولم يكن يواري أو يداري أو يغلف كلماته في هذا المعنى ولذلك ترشح معه سكرتير الحزب الشيوعي بعد اكتوبر وصرح بأنه ترشح في هذه الدائرة دون غيرها لينازل الرجعية ويهزمها في عقر دارها. وكان الغلبة للرئيس بكل تأكيد وعندما حل الحزب الشيوعي وطُرِدَ النواب الشيوعيون من الجمعية التأسيسية أعلن الرئيس أزهري تزعمه ومباركته لهذه الخطوة وكان واضحاً أنه ينطلق من قناعات ثابتة ولا تحركه أي دوافع غير أصيلة وقد تبارى نواب الكتل البرلمانية المختلفة من الشماليين والجنوبيين في تأييد هذه الخطوة وقد شن أبناء الأزهري السادة نصر الدين السيد وعبد الماجد أبو حسبو هجوماً ضارياً على الحزب الشيوعي داخل الجمعية التأسيسية.
لقد تولى الرئيس الأزهري رئاسة أول حكومة سودانية منتخبة وبعد ثورة اكتوبر في عام 1964م وإجراء الإنتخابات في عام 1965م تولى رئاسة مجلس السيادة بعد التنسيق والإئتلاف الذي تم بين الحزبين الكبيرين والذي عدل بموجبه الدستور لتؤول رئاسة مجلس السيادة لشخص واحد وألا تكون دورية بين أعضاء مجلس السيادة كما كانت سابقاً وبموجب هذا الإتفاق أضحى الرئيس أزهري رئيساً لمجلس السيادة وآلت رئاسة الوزراء لحزب الأمة الذي كانت له الأغلبية البرلمانية يومئذ (قبل أن ينقسم الحزب لجناحين) وفي ظل تلك التعددية كانت للأحزاب كبيرها وصغيرها زعاماتها وللطوائف أيضاً زعاماتها ولم تنعقد زعامة السودان لشخص واحد إذ لم تجر انتخابات لرئاسة الجمهورية في ظل تلك الظروف لأن الدستور لم يجز حتى ذلك الوقت في صورته النهائية ولكن برتوكولياً فإن الرئيس أزهري كان هو المسؤول الأول في السودان بحكم موقعه السيادي ذاك وقد حدث نزاع حول تمثيل السودان في مؤتمرات القمة وطرأ يومئذ سؤال عمن هو الأحق بتمثيل السودان في مؤتمرات القمة هل هو السيد رئيس مجلس السيادة أم هو السيد رئيس مجلس الوزراء وبسبب الخلاف حول هذه المسألة كاد الإئتلاف أن ينفض بين الحزبين عند إنعقاد مؤتمر القمة الإفريقية في اكرا في عام 1966م وأخيراً حسم الأمر بتولي السيد رئيس مجلس السيادة رئاسة الوفود على أن يصحبه رئيس الوزراء ولذلك فإن السيد الصادق المهدي عندما نازع المحجوب حول رئاسة الوزراء وأراد أن يتولاها هو ذكر المحجوب في كتابه- الديمقراطية في الميزان- أنه حاول إقناع السيد الصادق بأن تجربته لا تؤهله لتولي المنصب في تلك السن لا سيما أنه سيتعامل مع الأزهري الذي وصفه المحجوب في كتابه المشار إليه (بأنه سياسي حاذق يستطيع أن يلوي ذراع أي سياسي آخر) وتلك شهادة من المحجوب.
وكما أوردت فقد كان الوضع تعددياً حزبياً وكانت المنافسات شديدة بين الأحزاب الكبيرة بمقاييس تلك الأيام ومن الطبيعي في ظل تلك الطرف أن يعمل الأزهري لتقوية مركز حزبه ومن الطرائف التي تحكي عنه والدالة على دهائه السياسي أنه إعتلى منصة الخطابة في ليلة سياسية عقدت بطابت وخاطب المواطنين قائلاً.. يا أهل طابت طبتم مساءً وطابت بكم طابت.. ثم أخذ يحيي ذكرى مؤسس طابت الأستاذ عبد المحمود ود نور الدايم قائلاً.. السلام عليك أيها الأستاذ يوم ولدت والسلام عليك يوم مت والسلام عليك يوم جلدت. وأراد بذلك أن يذكر مريدي الشيخ عبد المحمود وأهله بتلك الحادثة التي وقعت له في سجن الساير حيث سجن وجلد في أواخر عهد الدولة المهدية على عهد الخليفة عبد الله وأراد بتذكيرهم الا ينسوا ويتعاطفوا مع الحزب المنافس لحزبه وفي هذا شئ من الدهاء السياسي. وثمة حقائق يجب أن تذكر في هذه الوقفات العابرة ومنها أن الأستاذ مصطفى محمد الحسن قد أورد بكتابه- رجال ومواقف من الحركة الوطنية- صورة من خطاب بعثه الرئيس أزهري بعد اكتوبر لأحد التجار يطلب منه أن يدينه مبلغاً من المال إضافة لمبلغ سابق ويوضح موعد بداية التسديد مما يعني أن الرئيس لم تكن له أرصدة في البنوك.
وإذا سأل البعض كيف تنسي لموظف دولة سابق تفرغ سياسياً فيما بعد أن يبني منزلاً فخماً بمقاييس تلك الأيام التي بنى فيها بل حتى بمقاييس اليوم فإن الرد هو أن الأرض التي بنى عليها المنزل كانت موروثة وتنازل له أخوانه عن حقوقهم فيها عوضهم عنها أما البناء فقد تكفل به المنتمون لحزبه الذين جمعوا التبرعات ولازال بعضهم يحتفظ بخطابات الرئيس التي بعثها شاكراً ومقدراً لهم مساعدتهم وقد رأيت بعض هذه المكاتبات عند مواطنين عاديين آثروا أن يساهموا رغم تواضع أوضاعهم المالية وقد فعلوا ذلك لاعتقادهم بأن بيت الرئيس هو بيتهم وظل يغص بالزوار وعرف عن الرئيس أنه كان يقدم البلح (التمر) والماء البارد لزواره.
وفي مقابلة إذاعية ذكر دكتور البخاري عبد الله الجعلي أن الرئيس استدعاه مرة عندما كان مسؤولاً عن الشرطة بمنطقة أم درمان شمال وعندما ذهب لمقابلته وجده منزعجاً وطلب منه أن يتحري بصفته الشخصية (إنطلاقاً من العلاقة الأسرية التي تربطهم) عن همس سمع به وفحواه أن الآلة التي استعملت في نظافة النجيلة بحديقة منزل الرئيس قد احضرت في مرة من المرات من المجلس البلدي وأنه يعتقد أن في ذلك فساداً إذا صدقت الرواية وفي هذا دلالة أكيدة على نزاهته.
هذه لمحات عن الرئيس إسماعيل الأزهري رافع علم السودان عالياً خفاقاً بمشاركة السيد محمد أحمد محجوب زعيم المعارضة في البرلمان وممثل الكتلة الاستقلالية والإنحناءة والتقدير لهم جميعاً.

جميع الحقوق محفوظة
التعليقات
اكتب تعليق