ازمة جنوب السودان

كتبها

تطورات مشكلة الجنوب 1898 ـ 199 المبحث الأول: سياسة الحكم الثنائي وأثرها على مشكلة الجنوب (1898ـ 1955) عندما اكتمل فتح السودان عام 1898م من قبل الإنجليز والمصريين، فُتح شماله وجنوبه لتلعب السياسة الدولية دورها كاملاً. ففي تلك الفترة وعند تقدم جيش الحكم الثنائي جنوباً، اصطدم بالوجود الفرنسي في مدينة فشودا “مدينة كدوك حالياً”. وسويت المشكلة بانسحاب الجيش الفرنسي في ديسمبر 1898. وبدأت النظرة لجنوب السودان على أنها الأرض، التي يجرى عليها النيل الأبيض، الذي يُعتمد عليه كشريان للحياة لكل من السودان ومصر.سياسة الحكم الثنائي تجاه الجنوب، وأثرها في مشكلة الجنوب في عام 1900م بدأت إدارة الحكم الثنائي، في توطيد دعائم حكمها بالإقليم الجنوبي. فأنشئت الحاميات تحت إشراف الضباط البريطانيين. وكعادة القبائل في الجنوب ومناوئتها للمستعمر، شقت تلك القبائل عصا الطاعة على هؤلاء الحكام الجدد. فكان التهديد بالقوة تارة، وإثارة الفتن بين القبائل تارة أخرى، لشغل المواطنين في أنفسهم. كما كانت هناك بعض الاستقطابات عن طريق الهدايا، لكسب ود الأهالي.

ولم يقف إخضاع القبائل للحكم الجديد عند هذا الحد، بل كانت هناك التجريدات وحملات التأديب المتواصلة، خاصة التي أرسلت لإخضاع قبيلة النوير التي كانت تقاوم الاحتلال حتى أخضعت كليا عام 1930. وتجدر الإشارة إلى أن الجنوب، ظل يعيش منذ احتلال السودان وحتى عام 1930، في حروب قبلية تارة، وثورات ضد المستعمرة تارة أخرى. فتعطلت عجلة التطور، وتوقفت التنمية. وهذا عكس ما حدث بالمديريات الشمالية، التي بدأت في تطوير نفسها بشرياً ومادياً واقتصاديا. وهنا برزت الهوة في التّطور بين الشمال والجنوب. وفي تلك الفترة أيضاً تلاشت تجارة الرقيق، بعد حرب شعواء شنها الإنجليز والأوربيون عليها.
كانت سياسة الحكم الثنائي في السودان، خلال العشر سنوات (1920 ـ 1930) مرتكزة على أن هناك فوارق وهوة سحيقة، بين شمال السودان وجنوبه. وعلى ذلك بدأت السياسة تجاه الشمال، بمديرياته الست آنذاك، مختلفة عن السياسة المطبقة في مديريات الجنوب الثلاث. واتخذت حكومة الحكم الثنائي من الإجراءات، ما يُمكنها من فصل مديريات الجنوب عن باقي مديريات الشمال، فمن ذلك:
إسناد بعض المسائل، التي تخص الإدارة إلى السلطات المحلية وتحت الأشراف الحكومي. فأنشئت محاكم الرؤساء في الشمال والجنوب على السواء.
تكوين قوه من الجنوبيين يقودها ضباط إنجليز، وعلى ذلك انسحبت الفرقة الشمالية من “منقلا” سنة 1917م، بعد اكتمال إنشاء هذه القوة.
يهدف تكوين هذه القوه إلى منع وجود قوات شمالية مسلمة في الجنوب، للاعتقاد بأن القوات الشمالية بها من المسلمين ما يضير انتشار المسيحية.
اتُخذت في سنة 1918م إجراءات، من شأنها أن تجعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في الجنـوب، واعتبار يوم الأحد العطلة الرسمية.
وضع الخطط والسياسات لجعل كل مديرية مكتفية ذاتياً، ومستقلة بقدر الإمكان.
كان قبول الطلاب في الكلية الحربية أول إنشائها، مُحتكراً على السود أو الزنوج، دون غيرهم مِمَن يعتقد أنهم عرب.
قانون الجوازات والهجرة
أصدر الحاكم العام في سنة 1922 قانون الجوازات والهجرة، الذي بمقتضاه مُنح الحاكم العام سلطة اعتبار أي جزء من السودان منطقة مقفولة كلياً أو جزئياً. وتخص سياسة القفل هذه، السودانيين وغير السودانيين على السواء. وصيغ هذا الأمر في المادة (23) من قانون الجوازات والهجرة. واعتبرت بعض المناطق في ذلك الوقت “مناطق مقفولة”، مثل :
المديرية الاستوائية.
مديرية أعالي النيل.
مديرية دارفور، وأجزاء من جنوب مديرية كردفان.
وصدر قانون آخر في 1925م، يمنع التجارة في بعض مناطق المديريات الأخرى لغير السودانيين إلاّ بتصديق خاص. وقُصد بهذا القانون منع المصريين وأبناء الشمال من المسلمين، من الدخول لتلك المناطق المقفولة، ومزاوله أعمالهم. كما شجع القانون التجار المسيحيين والتجار من الشمال، الذين ليس لهم قصد أخر سوى التجارة دخول تلك المناطق. ونجم عن ذلك آثار سلبية على الانتعاش التجاري والاقتصاد في الجنوب، للأسباب الآتية:
انكمش حجم التجارة بشكل عام.
انخفض حجم التبادل السلعي بين الشمال والجنوب.
وبسبب ذلك تعثر الازدهار الاقتصادي بالجنوب، إذا قورن بتطور الاقتصاد والتجارة في الشمال. وصاحب التطور في الشمال، قيام المشاريع، وبناء الخزانات، وشقت الطرق، وتبعها عنصر الخدمات، من رعاية طبية وتعليم. في حين ظلت المديريات الجنوبية مقفولة، تفتقد ما وصل إليه الشمال من تطور. ولم تفِ إمكانيات بعثات المبشرين بالحجم المتعاظم من الأعمال في المجال الصحي، فتفشت في الجنوب الأمراض الفتاكة مثل السّل، والجذام، ومرض النوم، إلى جانب الملاريا
وفي مديرية بحر الغزال اختلف الموقف عن المديريات الجنوبية الأخرى. فقد دخلها الإسلام، وكانت حركة التجارة منتعشة بواسطة التجار الشماليين. وهنا وجد مدير بحر الغزال في قانون الهجرة الجديد مدخلاً للتخلي عن هؤلاء التجار، الذين هم عنصر غير مرغوب وجوده في مديريته. فشجع التجار الشماليين على العودة إلى ديارهم تارة، وأكرههم على البقاء في الجنوب تارة أخرى. وبذا تقلص الوجود الشمالي في الجنوب، وشمل ذلك الموظفين الشماليين، وأفراد القوات النظامية من الشماليين المسلمين. وقد تسبب إبعاد العنصر الإداري الشمالي من الجنوب، في إعاقة العمل الإداري والأمني مما حد من تطوره.
وعلى كلٍ، يمكن القول إن توجهات الحكم الثنائي وسياسته نحو الجنوب، كانت ترمي إلى فصله عن الشمال، بخلق تلك الفوارق. بيد أن تلك السياسة والتوجهات لم يحالفهما الحظ في عملية الفصل النهائي، بل نجحا في تعميق الفوارق بين شمال السودان وجنوبه.
مؤتمر الخريجين في سنة 1938
في سنة 1938 قدّم مؤتمر الخريجين مذكرة لإدارة الحكم الثنائي، تحمل تصوراً جديداً لسياسة التعليم في الجنوب. وحوت المذكرة اقتراحاً باتاحه الفرصة للتجار الشماليين بالعمل في المديريات الجنوبية، بغرض تمكين اللغة العربية في الوسط الجنوبي.
التنمية
في الفترة ما بعد سنة 1939م، كانت هناك توجهات من شأنها زيادة الرقعة الزراعية بقيام المشاريع وتطوير الاقتصاد، بجانب التطوير الثقافي. ولكن حالت عوامل كثيرة دون التوسع في سياسة التنمية هذه، كان أهمها:
نشوب الحرب العالمية الثانية، التي أوقفت معظم المشاريع الإنمائية.
التخلف الذي كان يعيش فيه أبناء الجنوب، وعدم قدرة النظام التعليمي الكنسي على دفع عجله الثقافة.
السياسة غير الواضحة حيال المديريات الجنوبية، والنظرة المريبة لأبناء الشمال والمصريين.
عدم الارتياح والثقة لما سيعود من عائدات من الإمكانات المتاحة في الجنوب.
انشغال الحكومة في الخرطوم، بالقضايا الملحة التي تخص شمال السودان.
عدم رضى المثقفين في الشمال عن السياسة المطبقة في الجنوب، مما جعلهم يحجمون عن المشاركة في إبداء الرأي لتطوير الجنوب ثقافياً واقتصادياً وتنموياً.
عدم ارتياح الجنوبيين عن نظام الأجور المطبق، بسبب الفوارق في الأجور بين الشمال والجنوب.
اقتراح تقسيم الجنوب
وُجهت انتقادات عديدة لسياسة الحكومة البريطانية في الجنوب، تمثلت في مذكرة 3 إبريل 1944، التي رفعها المدير السابق للمعارف “المستر كوكش”. وقد أوضح في المذكرة أن سياسة التعليم المطبقة في الجنوب، جعلته أكثر تخلفاً عن الشمال. ثم جاءت مذكرة مؤتمر الخريجين، التي اشتملت على المطالب الآتية:
رفع القيود عن حركة التجارة بين الشمال والجنوب.
إلغاء قانون المناطق المقفولة.
إلغاء الإعانات التي كانت تمنح للإرساليات.
توحيد المناهج التعليمية.
حرية التنقل بين الشمال والجنوب.
تحقيق سياسة زيادة الصلات، بين أبناء الجنوب والشمال.
ونتيجة لذلك قدّم الحاكم العام مذكرة، تضمنت ثلاثة مقترحات، واشتملت على الخيارات الآتية:
ضم الجنوب إلى الشمال.
ضم الجنوب إلى دول شرق أفريقيا.
ضم أجزاء من الجنوب إلى شمال السودان، وأجزاء أخرى إلى شرق أفريقيا.
لم ترحب دول شرق أفريقيا بضم جنوب السودان إليها، نظراً للتخلف الشديد الذي كان يُعاني منه. ومع إلغاء السودان للمجلس الاستشاري عام 1946 وإنشاء الجمعية التشريعية، انقسمت وجهة نظر أهل الجنوب إلى قسمين:
الأولى:
تنادي بالاتحاد الفيدرالي مع الشمال، وذلك أملا في دخولهم الجمعية التشريعية السودانية، بدلاً من تجاهلهم مثل ما حدث في المجلس الاستشاري.
الثانية:
الاستفتاء لتقرير المصير.
مؤتمر جوبا
في يونيه عام 1947 انعقد المؤتمر الإداري في جوبا، برئاسة السكرتير الإداري، وخرج المؤتمر بالتوصيات الآتية:
الوحدة بين الشمال والجنوب ضرورة، لأن الجنوب لا يمكنه الاتحاد مع أوغندا، كما أنه لا يستطيع الاعتماد على نفسه ذاتياً.
يُلحق فصل الشمال عن الجنوب الضرر البالغ بالجنوب، وسيؤدي إلى مزيد من التخلف للإقليم.
يخشى الجنوب من نوايا الشمال، وسيطرته على الجنوب.
وأعقب المؤتمر الموافقة على قيام جمعية تشريعية واحدة لكل السودان، شماله وجنوبه، وترك للحاكم العام سن القوانين أو إلغائها لوقف أي سوء إدارة من الشمال للجنوب.
لم تلق قرارات مؤتمر جوبا قبولاً لأنها لم تُرضِ طموحات الإداريين البريطانيين. ورأى الإداريون البريطانيون أن هذه القرارات سوف تمكِّن من تعيين ثلاثة عشر عضواً جنوبياً في الجمعية التشريعية السودانية، وهذا سيؤدى إلى تحقيق وحدة الشمال مع الجنوب. ورأى المبشرون في الإرساليات أن الشماليين سيقررون فرض الدين الإسلامي على جميع أنحاء السودان.
وأعقب تلك المرحلة الإجراءات الآتية:
تقلص حجم الإعانات الممنوحة للإرساليات.
بدأ تدريس مادة اللغة العربية في مدارس الجنوب.
توحدت سياسة التعليم بين الشمال والجنوب.
سُمح للطلاب غير المسلمين بالقبول في المدارس الحكومية بالمدريات الشمالية، وسمح للذين لا ينتمون للأديان السماوية حرية حضور حصص الدين وغيرها.
تتحمل مديريات الشمال عبء الإنفاق على التعليم في الجنوب.
اتفاقية عام 1953
شُكلت لجنة دستورية عام 1951 لاقتراح الخطوات اللازمة لتحول السودان إلى الحكم الذاتي. واتخذت اللجنة قرارها باستقلال السودان الموحد، على الرغم من مطالبة الجنوب بالحكم الفيدرالي. ثم تلى ذلك إعلان اتفاقية السودان عام 1953 بين مصر وبريطانيا، بشأن منح السودان حق تقرير المصير، وأدت الاتفاقية إلى
قيام حزب الأحرار الجنوبي، نتيجة لعدم وجود أحزاب تمثل الجنوبيين.
بعد تمرد الفرقة الجنوبية، طالب السياسيون الجنوبيون بحكومة فيدرالية، كشرط مسبِّق للموافقة على إعلان الاستقلال.
طالب عدد من نواب الجنوب باستفتاء لتقرير المصير، وطالب الآخرون بحكم اتحادي.
تمرد عام 1955
بإعلان اتفاق عام 1953، عادت القيادات الجنوبية تنادي بالفيدرالية، وتلا ذلك وقوع عصيان وصدام مسلح في يوليه 1955، بين عمال مصنع أنْزارا، من قبيلة الزاندي، والشرطة. ثم تلاه تمرد الفرقة الجنوبية في 15 أغسطس 1955م. وترجع تلك الأحداث إلى العوامل الآتية:
الأخطاء التي حدثت من الأحزاب في الشمال، استغلها المبشرون والإداريون، الذين لم تعجبهم قرارات مؤتمر جوبا وقرار الجمعية التشريعية.
عدم إلمام الأحزاب في الشمال بالأحوال في الجنوب.
حرص الأحزاب في الشمال على التخلص من الاستعمار، دون إعطاء اهتمام كافٍ لما يدور في الجنوب.
عدم ثقة أهل الجنوب في نوايا الشمال، خاصة وأن ممثلي الأحزاب الذين ذهبوا إلى القاهرة لمناقشة مصير السودان بعد الحكم الثنائي، لم يكن بينهم ممثلون من الجنوب.
زاد من حدة التوتر إعلان حكومة الأزهري الانتقالية، أن الحكومة حريصة على تنفيذ الاتفاقية التي جاء فيها أن السودان وطن واحد لا يتجزأ، وأن الحكومة لن تتهاون في هذا الصدد ولديها الجيش والبوليس.
سادت حالة من عدم الرضا بين الجنوبيين لقرارات السودنة (أي إحلال موظفين سودانيين وظائف البريطانيين) التي تجاهلت الكوادر الجنوبية المثقفة. فساد شعور بينهم أنهم بلا هوية وأغراب في وطنهم.

المبحث الثاني: جنوب السودان في فترة ما بعد الاستقلال
قبيل إجراء الانتخابات النيابية الأولى في السودان، ظهر تكتلان سياسيان رئيسيان في الشمال، هما: حزب الأمة من الأنصار المهديين؛ والحزب الاتحادي الوطني، المدعوم من السيد علي محمد عثمان الميرغني وطائفته الختمية. وكان الحزب الاتحادي الوطني قد فاز في الانتخابات، التي جرت قبل الاستقلال في عام 1954، فأصبح زعيمه السياسي السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء.
بدأت المشاكل فور إعلان الأستقلال، وكان السبب الأساسي لهذه المشاكل أن الأحزاب، التي عملت سواء من أجل الاستقلال أو معارضة له، وجدت نفسها عقب نيل الاستقلال من دون هدف محدد، وأنها تتصارع في محاولة لتلبيه احتياجات البلد الحديث العهد باستقلاله.
باستقلال السودان تحول قانون الحكم الذاتي، خلال الأيام الأثني عشر الأخيرة من شهر ديسمبر 1955، إلى دستور انتقالي مؤقت. ثم بدأ العمل في إعداد دستور نهائي، أحيطت محادثاته بجدل مستمر حول مطالبة الجنوب بارتباط فيدرالي، بينه وبين الشمال، بدلاً من الوحدة. كذلك بدأ الخلاف حول طبيعة النظام السياسي السوداني، وهل سيصبح جمهورية برلمانية أم رئاسية؟

شُكلت حكومة جبهة وطنيه متحدة، من أجل وضع ميثاق وطني يصبح إطاراً لمستقبل البلاد. برئاسة “إسماعيل الأزهري”. ونقلت الأحزاب، التي شاركت في الحكومة خلافاتها إلى داخل الحكومة، مما أعاق أداءها. وظهرت بوادر انشقاق داخل الحزب الاتحادي الوطني عندما أعلن الزعيمان “عبدالرحمن المهدي” و “علي عثمان الميرغني” في بيان مشترك، قيام تحالف بين الأنصار والختمية. وعلى أثر ذلك، أسست طائفة الختمية “حزب الشعب الديموقراطي” بقيادة الشيخ علي عبدالرحمن.
في يوليه 1956 سقطت حكومة الأزهري الائتلافية، وتشكلت حكومة ائتلافية أخرى بالمشاركة بين حزب الأمة وحزب الشعب الديموقراطي، برئاسة الأمين العام لحزب الأمة “عبدالله خليل”.
وفي عام 1958 نشأ نزاع داخل حزب الأمة، صاحب الأكثرية النيابية. فقد كان “عبدالله خليل” رئيس الوزراء، يرى أن استقرار السودان يتم إذا تحالف حزب الأمة مع حزب الشعب الديموقراطي، في حين كان “الصديق المهدي” زعيم طائفة الأنصار، يرى أن التحالف الأكثر تجانساً هو بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي برئاسة “إسماعيل الأزهري”. كانت هناك شكوك لدى رئيس الوزراء، بأن “إسماعيل الأزهري” يناور مع جهات أجنبية تعرض استقلال السودان للخطر . ورأى “عبدالله خليل”، رئيس الوزراء، أن الخروج من هذا المأزق يكون بتولي القوات المسلحة للسلطة.
الفترة من 1958 ـ 1964: “الحكم العسكري الأول”
تسلم الجيش السلطة، بقيادة الفريق “إبراهيم عبود”، في 17 نوفمبر 1958. وشكّل الجيش قيادة ثورية عليا من 12 ضابطاً، بينهم قائد الانقلاب “الفريق عبود”. وأعلن عن تشكيل حكومة من ثمانية عسكريين وخمسة مدنيين، برئاسته. وركزت الحكومة العسكرية على معالجة القضايا الاقتصادية، وتثبيت أقدام الحكم، وضرب الحركات الانقلابية التي صاحبته، وإسكات التحركات السياسية من قِبل السياسيين القدامى، وتحركات النقابات والطلبة. وبذا أغفلت الحكومة مشكلة الجنوب.
واتخذت الحكومة العسكرية، فور استلامها الحكم، القرارات الآتية:
حل جميع الأحزاب السياسية، وإلغاء الدستور المؤقت، وحل البرلمان.
فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية، ومنح المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطات دستورية.
منع التجمعات والمواكب والتظاهرات.
إغلاق جميع الصحف.
الاهتمام بنشر الدين الإسلامي، وجعل يوم الجمعة عطلة رسمية.
قصر الصلاة للمسيحيين في الكنائس.
طرد المبشرين والقساوسة الأجانب من مديريات الجنوب، لتدخلهم في السياسة.
مطاردة المتمردين في الجنوب.
التزام الحكومة بجميع المعاهدات القائمة، وبقاء المسؤولين في مناصبهم، وأن تظل جميع القوانين سارية المفعول.

أدت مطاردة المتمردين في الجنوب إلى هروب أعداد كبيرة منهم، خاصة بعض الشخصيات السياسية، إلى الدول المجاورة. مثل أفريقيا الوسطى، وزائير، وأوغندا وإثيوبيا، حيث شُكِّلت أحزاب مناوئة للحكومة العسكرية. وأُعيد تشكيل “الاتحاد الوطني للمناطق المغلقة في السودان الأفريقي” “SAADNU” تحت اسم “الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني” “SANU” .
حركة أنيانيا
أخذت حركة أنيانيا شكلها التنظيمي عام 1962، حيث ظهرت في مسرح الأحداث. وبظهور هذه الحركة تطورت المشكلة لتأخذ شكلاً جديداً. فقد تشكلت الأنيانيا من المقاتلين المسرّحين عقب تمرد عام 1955، وبدأت عملياتها في شكل حرب عصابات. ومع غياب أو انحسار العمل السياسي بين الجنوبيين، وجدت الأنيانيا الميدان خالياً لتنفيذ الدور المخطط لها. وقُدمت لها المساعدات العسكرية من الدول المحيطة بجنوب السودان. وعلى الرغم من ذلك لم تنجح الحركة في السيطرة على الجنوب، ولم تنجح الحكومة في القضاء عليها.
الفترة من 1964 ـ 1969: “الحكم الديموقراطي الثاني”
حكم الرئيس “إبراهيم عبود” ست سنوات، وفي مطلع 1964، حدثت تحركات كبيرة في جامعة الخرطوم، وعلى المستوى الشعبي. وتعدّ حركة أكتوبر 1964 ثورة شعبية، أدت إلى سقوط الحكومة العسكرية وتعيين السيد “سر الختم الخليفة” رئيساً للوزراء، وهو من المهتمين بشؤون الجنوب ووثيق الصلة به. وقد عُين وزير الداخلية من أبناء الجنوب.
في 10 ديسمبر 1964، وافق رئيس مجلس الوزراء على مذكرة، قُدمت إليه من حزب سانو الجنوبي. وكان من أهم بنودها:
العفو العام عن جميع اللاجئين الجنوبيين في الدول المجاورة، منذ عام 1955.
الاعتراف بحزب سانو.
بدأت المحادثات بين الشمال والجنوب، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر مائدة مستديرة في جوبا. وحُسمت الخلافات بين الجنوبيين قبل انعقاد المؤتمر، في 11 مارس 1965.

المبحث الثالث: الفترة من 1985 إلى 1989
أولاً: الفترة الانتقالية (أبريل 1985 ـ مايو 1986)
واجهت الحكومة السودانية منذ منتصف السبعينات، العديد من المشاكل الداخلية، التي نجمت عن:
توتر العلاقات مع دول الجوار وبعض القوى الكبرى، نتيجة للإعلان عن منهج العمل السياسي والاقتصادي بين مصر والسودان في عام 1974. ثم اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين في الخامس عشر من يوليه 1976، ثم ميثاق التكامل بينهما في الثاني عشر من أكتوبر 1982. وقد أدى ذلك إلى توتر علاقات السودان مع إثيوبيا وليبيا، وتحرك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإسرائيل لإحباط التكامل، حتى لا تكون هناك قوى كبرى قوية تسيطر على المنطقة وتهدد مصالح تلك الدول. وقد أثارت بعض هذه الدول الاضطرابات الداخلية في السودان، وحرّكت مشكلة جنوب السودان.
حالة التصحر والجفاف التي ضربت البلاد، ثم نشاط جبهات الجنوب وإيقافهم أعمال التنقيب عن النفط، ثم مشروع قناة جونقلي. وأدى ذلك إلى زيادة تدهور الموقف الاقتصادي وارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني.
زيادة أعداد اللاجئين إلى الأراضي السودانية من إثيوبيا وتشاد وأوغندا، وما صاحب ذلك من تهديد للأمن القومي السوداني.
إعلان الشريعة الإسلامية، الذي أدّى إلى تخوف الدول الكبرى، والدول الأفريقية المسيحية من أن يؤدى ذلك إلى مدٍّ إسلامي داخل أفريقيا.
رفعت الحكومة، في 26 مارس 19985، الدعم عن السلع الغذائية، وخفّضت قيمة الجنيه السوداني.
أدت تلك العوامل إلى خروج تظاهرات الطلاب، التي انضم إليها العاطلون والمتسكعون وحدثت اشتباكات مع رجال الأمن.
ولمّا تصعّد الموقف، وازدادت حدة التظاهرات وقد آزرتها كل قوى الشعب، أعلن الفريق أول “سوار الذهب”، وزير الدفاع، انحياز القوات المسلحة للشعب، والاستيلاء على السلطة في 6 أبريل 1985، على أن تنقل السلطة إلى الشعب بعد فترة انتقالية مدتها عام. وأعلن إعفاء الرئيس نميري والوزراء من مناصبهم، وشكل ما سُمي بالمجلس العسكري الانتقالي، وعُرفت حكومته بحكومة “الانتفاضة الشعبية”.
اتفق المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، مع ممثلي القوى الوطنية على تشكيل وزارة انتقالية، يشترك فيها ثلاث وزراء جنوبيين. ووافق تجمع السياسيين الجنوبيين “S.S.P.A.” على ذلك، بينما اتخذ تجمع الجنوبيين ” S.P.K”، وكان يسمى المؤتمر الأفريقي السوداني “S.A.C.”، موقفا أخر طالب فيه بتمثيل الجنوب بثلث أعضاء مجلس الوزراء.

عندما تولى المجلس العسكري الانتقالي السلطة، كان هناك سلطتان أخريتان مناؤتان للحكم، هما الأحزاب، وكانت تتمتع بحرية حركة كبيرة، وترسل الوفود للخارج وتعقد الاتفاقيات الثنائية. أما السلطة الثانية فهي التجمع الوطني والتجمع النقابي، الذي كان يسعى للتقارب مع جون قرنق
مشكلة الجنوب في الفترة الانتقالية
قرر المجلس العسكري الانتقالي حل مشكلة الجنوب، في إطار حكم ذاتي إقليمي، داخل مبدأ “السودان الموحد”، من خلال انتهاج سياسة حوار ديموقراطي مع كافة القوى الجنوبية. وتمهيداً لذلك، اتخذ الإجراءات الآتية:
إيقاف قرارات تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقسام.
إيقاف العمل بقوانين الشريعة الإسلامية في الجنوب.
إيقاف العمليات العسكرية في الجنوب.
الدعوة إلى مؤتمر قومي لزعماء الشمال والجنوب وجون قرنق، لحل المشكلة.
تعيين مجلس تنفيذي عالٍ لحكم الجنوب، كاتجاه نحو توحيد الجنوب في إقليم واحد.
عقب الانتفاضة الشعبية في أبريل 1985، أصبحت خريطة الأحزاب الجنوبية تضم الآتي:
السياسي في جنوب السودان، بقيادة “صمويل أرو” S.. S P.A.
حزب سانو، بقيادة “أندرو ويو”.
حزب سابكو، وهو اختصار لاسم “الحزب السوادني الأفريقي”، ويتزعمه “اليابا سرور”.
حزب “S. A. C” المؤتمر الأفريقي السوداني، ويتزعمه “د. والتركونجوك”.
الحزب الفيدرالي، ويرأسه “جوشوادى وال”.
الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة “جون قرنق”.
حزب السلام، ويرأسه “رمضان شول”، وهو يدعو إلى الارتباط بالإسلام والدول العربية.
حزب تحرير السودان، ويرأسه “إبراهيم الطويل”.
والحزبان الأخيران من الأحزاب الصغيرة عديمة الفاعلية.
رفض جون قرنق الاعتراف بالمجلس العسكري، باعتباره استمراراً لثورة مايو 1969. وأعلن عدم اعترافه بالوضع القائم، واعتدت قوات الخوارج على قرية القردود، جنوب كردفان.
تركزت مطالب الجهات المعارضة في إقصاء الحكومة العسكرية، وتقسيم ثروات الجنوب مناصفة بين الشمال والجنوب، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية، مع إعطاء مهلة أسبوع واحد لتخلي العسكريين عن السلطة للشعب.
أصدر المؤتمر الأفريقي السوداني “S. A. C.”، بياناً طالب فيه بإلغاء اتفاقية التكامل، واتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان، والانسحاب من حلف دول البحر الأحمر (يُقصد به اتفاق الدفاع المشترك وجامعة الدول العربية)، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية. ومعروف أن هذا المؤتمر تسيطر عليه عناصر يسارية، وأنه على علاقه بجون قرنق. وعلى النقيض، استجاب لدعوة الحوار التجمع السياسي لجنوب السودان “S.S.P.A.” بقيادة صمويل أرو، والذي يضم سانو وأنيانيا2، وأعلنت أنيانيا2 توقفها عن الصراع المسلح.
جرت يومي 24، و25 سبتمبر 1985، محاولة عنصرية من أهل الجنوب والنوبة، للاستيلاء على السلطة في كل السودان. وكان وراء المحاولة الأب فيليب غبوش (زعيم الاتحاد الزنجي الأفريقي في الستينات) ودعوته قائمة على أن غالبية شعب السودان تتحدر من عنصر زنجي، سواء في الجنوب أو في غرب السودان وجبال النوبة. وأنه يحق لهذه الأغلبية الزنجية حكم السودان وتحريره، من حكم الأقلية العربية المسلمة. وقد اتضح وجود تخطيط مشترك لحركة جون قرنق مع حركة إسماعيل يعقوب. وكان مخططاً وصول دعم للحركة النقابية، سواء بالطائرات من إثيوبيا، أو براً بعناصر سودانية متمردة. على أن تتولى الإرساليات في أنحاء السودان، ومجلس الكنائس العالمي، تقديم المساعدات للانقلاب.

بعد اكتشاف المحاولة العنصرية وفشلها، تقدم جون قرنق بشروطه إلى الحكومة الانتقالية لإجراء مفاوضات. فاشترط حل المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية، وإلغاء الاتفاقيات المبرمة بين السودان ومصر، والسودان وليبيا. (كانت ليبيا بعد الانتفاضة قد أعلنت عن وقف دعمها لقرنق، وفي الوقت نفسه قدمت الدعم العسكري المحدود لحكومة السودان). وقد اشترط قرنق كذلك تشكيل حكومة قومية جديدة، تضم جميع الفئات بما فيها حركته. لكن حكومة السودان لم ترضخ لشروط قرنق.
أعطى جون قرنق لحركته وجيشه صفة الشرعية في تحرير السودان كله. وهو في تلك الفترة لم يكن يسعى إلى حل انفصالي، على الرغم من أن تصريحات ممثل حركته في أوروبا، جون لوك، تعكس سمة الانفصالية للحركة، وهي مماثلة لتصريحات سابقة انفصالية في عام 1956. وهي تصريحات تركز على أن السودان ليس عربياً، بل أفريقي متعدد الأجناس، وأن العرب فيه أقلية.
مؤتمر كوكادام
عُقد في شهري فبراير ومارس 1986، اجتماعٌ بين قادة التجمع الوطني للإنقاذ، والحركة الشعبية لتحرير السودان في منطقة كوكادام في إثيوبيا. وحضر الاجتماع قادة التجمع وحزب الأمة برئاسة “إدريس البنا”، ومن الجنوب التجمع السياسي لجنوب السودان، والمؤتمر السوداني الأفريقي، والحزب الشيوعي السوداني، والحزب الوطني، والحزب الوطني الاتحادى، وحزب البعث العربي، والحركة الشعبية وجناحها العسكري
وتوصل المؤتمر في 24 مارس 1986، إلى الاتفاق الآتي:
عقد مؤتمر دستوري لبحث أسس مشاكل السودان، وليس مشكلة الجنوب وحدها.
رفع حالة الطوارئ.
إيقاف إطلاق النار.
أن تُبادر الحكومة بالآتي:
أ.
إلغاء قوانين الشريعة الصادرة في عام 1983، وسائر القوانين التي تَحُدْ من الحريات.
ب.
إلغاء الاتفاقات العسكرية، مع كل من مصر وليبيا، التي تحد من الحريات العسكرية.
ج.
يُستبدل بدستور عام 1985 الانتقالي، دستور عام 1956، كما هو معدل في عام 1964.
وقد رأت الحكومة السودانية أن استجابتها لشروط قرنق، سوف تقلل من هيبتها أمام الشعب، وسوف تضطرها إلى قبول شروط أخرى تُفرض عليها. كما ظهر للحكومة السودانية مدى ضغط إثيوبيا على جون قرنق، واستجابته لهذه الضغوط. وبذا فشل مؤتمر كوكادام.

تطور الصراع العسكري حتى نهاية الفترة الانتقالية
شهدت الفترة الانتقالية تصعيد الجهات المناوئة للحكومة، عملياتهم العسكرية على نحوٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ مشكلة الجنوب من قبل. وبلغ الصراع مدى ومناطق لم يصلها من قبل، فشمل كل جنوب السودان وجنوب إقليم كردفان، ومناطق الكرمك وجبال الإنقسنا في جنوب النيل الأزرق، وبعض المناطق في شرق السودان. ولم تسلم العاصمة من المحاولات الانقلابية، وشهد السودان عمليات عسكرية يومية، كان حصادها قرب نهاية الفترة الانتقالية كبيراً للغاية. وتلخصها سلسلة معارك روسبيك، في مارس 1986 وما بعدها.
حاصر المتمردون مدينتى “بور وجميزة”، فتقدمت القوات السودانية من جوبا لاستردادهما. كما حاصروا “يرول”، فتقدمت أيضا القوات من واو ورومبيك، وفكت حصارها جزئياً. وأثناء تسليم المتمردين رداً مكتوباً، على مقترحات رئيس الوزراء، استغلوا الظروف وحاصروا مطار ومدينة الناصر، التي كان مقرراً تسليم الرسالة فيها. وامتد نشاطهم من الناصر إلى ملكال، ومنها إلى ملوط، بضرب البواخر والوابورات النهرية لمنع إمداد وتعزيز الناصر. فتقدمت القوات السودانية ومعها قوات انيانيا2، في عملية مشتركة ضد المتمردين لفك حصار الناصر. كما هاجمت قوات التمرد مدينة الكرمك ومنطقة الدمازين وجبال الإتقسنا في منطقة جنوب النيل الأزرق، واستدرجوا القوات الحكومية وسببوا لها خسائر فادحة.
سعى المتمردون إلى تعطيل إجراء الانتخابات، فركزوا عملياتهم في إقليم بحر الغزال، ذي الكثافة السكانية العالية، وأكثرهم من الدينكا. وبدأوا باحتلال “يرول” في ديسمبر 1985، ثم قصف “أويل” و”رومبيك” خلال فبراير 1986، وحِصار “رومبيك” بحوالي أربعة آلاف مقاتل في خمس كتائب، حتى شارفت ذخيرة حامية المدينة وتعيينات السكان على النفاد. فقرر قائد الحامية وضابط أمن المنطقة الانسحاب، ومعهم أهالي مدينة “رومبيك”، إلى مريدي في إقليم الاستوائية. فأعلن المتمردون دخولهم “رومبيك” في 7 مارس 1986. ثم أسقطت ثلاث طائرات انتينوف إثيوبية إمدادات لهم، فتقدموا إلى “التونج” و”واو” و”قوقريـال” و”أويل” لحصارها. وانتشروا في كل إقليم بحر الغزال بقوة تُقارب 40 ألف مقاتل وإداري. فاستغاثت حكومة السودان بالطيران الليبي والدعم العسكري الليبي، لإنقاذ الموقف المنهار.
استغل المتمردون فصل الأمطار، لفتح جبهة جديدة في منطقة جنوب النيل الأزرق. واستمرت المعارك في منطقة “الكرمك”، إلى أن هزمتهم القوات الحكومية.
وتُعتبر منطقة أعالي النيل أكثر المناطق كثافة في العمليات، بسبب طول حدودها مع إثيوبيا. فقد درج المتمردون على التسلل عبرها إلى السودان، والاشتباك في معارك كثيرة مع القوات المسلحة في فشلا، والجكوّ، وأكوبو، والبيبور، والناصر، وملكال وبور. وبعد سيطرة القوات المسلحة نسبياً، تحولت حركة التمرد إلى مجموعات صغيرة، تعمل بين ملكال والرنك.

وظلت المنطقة الاستوائية هادئة عموماً، إلاّ في شرقها حيث دارت العمليات حول “كبوبتا”. واعتمد الخوارج في إمدادهم على طريق كينيا ـ الاستوائية، ثم على طريق كينيا ـ أوغندا ـ الاستوائية، خاصة بعد لجوء كثير من الأوغنديين إلى السودان، بعد استيلاء يورى موسيفين على الحكم في أوغندا.

ثانياً: الحكم الديموقراطي الثالث 1986 ـ 1989
في مايو 1986 استلم مقاليد السلطة في السودان حكم ديموقراطي منتخب، يتكون من مجلس رأس دولة خماسي، ومجلس وزراء. وبدأت الحكومة في ممارسة مسؤوليتها وفقاً للدستور المؤقت، الذي وُضع إبان الفترة الانتقالية عام 1985.
أجريت الانتخابات في السودان في أبريل 1986 في 260 دائرة، ولم تجر في 35 دائرة جنوبية بسبب الحالة الأمنية. وجاءت نتيجة الانتخابات على النحو التالي:
105 فائزاً لحزب الأمة.
63 فائزاً للاتحاد الديموقراطي.
51 فائزاً للجبهة الإسلامية القومية.
26 فائزاً للأحزاب الجنوبية.
8 فائزين للحزب القومي السوداني.
4 فائزين للمستقلين.
3 فائزين للحزب الشيوعي.

وشُكلت حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والاتحاد الديموقراطي، برئاسة “الصادق المهدي”. وفي الوقت نفسه، أُعلن عن تشكيل الجبهة الإسلامية المعارضة بزعامة “حسن الترابي”. واختلفت إستراتيجيات الحزبين المؤتلفين، فبينما رأى حزب الأمة أن يتوجه السودان نحو التطبيع مع ليبيا، وإيران وسوريا، وخلق علاقات متوازنة مع كل من السعودية ومصر، رأى الاتحاد الديموقراطي أن تستمر خصوصية العلاقة مع مصر، بينما تكون هناك علاقات حسن جوار مع ليبيا وغيرها من الدول الأخرى. نتيجة لذلك أعلن الصادق المهدي إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، في حين أعلن الاتحاد الديموقراطي بأن الاتفاقية باقية ولن تُلغى. وتوصل الجانبان إلى حل وسط، وهو تجميد الاتفاقية، وأن يُستبدل بالتكامل المصري السوداني ميثاق أخوة بين البلدين. ولم تتمكن الحكومة الائتلافية من إلغاء قوانين سبتمبر، نتيجة لموقف الجبهة الإسلامية.

المبحث الرابع: الفترة من 1989 حتى أبريل 1997
في مطلع عام 1989 قدمت القيادة العامة للقوات المسلحة، مذكرة إلى رئاسة الوزراء، حول الأزمة العسكرية والسياسية، التي وصلت إليها البلاد. وكان في مقدمة تلك الأسباب، استمرار الحرب في الجنوب، والوضع السيئ للقوات المسلحة في هذه الحرب الأهلية.
وتعقد الموقف السياسي في العاصمة، خاصة بعد موافقة الصادق المهدي على تطبيق اتفاق كوكادام. فوقع الانقلاب العسكري في الثلاثين من يونيه 1989 بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، لمصلحة الجبهة القومية. وأُطلق على ذلك “ثورة الإنقاذ الوطني”، وشكل العميد البشير مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني.
اتسمت الحركة بالتوجه الإسلامي، واتخذت الحكومة الإجراءات التالية لإحكام قبضتها على الحكم:
1.تبنيها لسياسات مطابقة لبرنامج الجبهة، لا سيما حول موضوع السلام وقوانين سبتمبر الخاصة بالشريعة الإسلامية.
2.تعيين أشخاص في الحكومة، معروفين بانتمائهم للجبهة، إضافة إلى إلحاق كوادر الجبهة بالوظائف القيادية بالخدمة المدنية، وبعثات السودان الدبلوماسية.

3.احتكار الجبهة الحركة التجارية والعمل الاقتصادي، حيث بيعت المؤسسات العامة (القطاع العام) لكوادر من الجبهة.
4.الرحلات المكوكية التي تتولاها زعامة الجبهة، في الاتصالات الخارجية والسياسية والمالية، جذباً للتأييد والدعم الخارجي وإضفاء الشريعة على النظام الانقلابي، خاصة مع إيران الدولة ذات التوجه الإسلامي
5.تسريح أكثر من ألف ضابط من القوات المسلحة السودانية، ومجموعة من ضباط الشرطة، وتكوين الميليشيات الخاصة من كوادر الجبهة، فيما عُرف بالدفاع الشعبي.
6.الحصول على تأييد الحركة الطلابية للانقلاب، وذلك بتولي الطلبة التابعين للجبهة الإسلامية لاتحادات الطلاب.
7.تعين رؤساء للصحف الرسمية من كوادر صحفية تابعة للجبهة.
إعلان موقف الحكومة من الجنوب
أصدر العميد “عمر حسن البشير”، قائد ثورة الإنقاذ، بيانه الأول، الذي ألقى فيه باللائمة على الحكومات السابقة والأحزاب السياسية (المحلولة) لفشلها في مد الجيش باحتياجاته لمواجهة المتمردين، وفي تحقيق السلام، الذي رفعته الأحزاب شعاراً لتحقيق مكاسب رخيصة، مما انعكس أثره سلباً على القوات المسلحة. ولهذا فشلت حكومات الأحزاب في مساندة الحرب، أو دعم جهود السلام. وأعلن البشير التزام مجلس قيادة ثورة الإنقاذ، بتحقيق تسوية لسلام شامل دائم، وأنه يُفضل أن يجرى محادثات مع الجيش الشعبي لتحرير السودان. وأعلن أنه سيُخضع قوانين الشريعة لاستفتاء شعبي، وأعلن تأييد حكومته لوحدة إثيوبيا.

أرسل الفريق “البشير” خطاباً إلى جون قرنق، في السادس من يوليه 1989، يطلب منه الانضمام إلى ثورة الإنقاذ، بسبب تطابق أهدافهما، وإنقاذا لما تبقى من الوطن، توطئه لإعادة بناء سودان جديد.
مؤتمر الحوار الوطني للسلام: 9 سبتمبر ـ 21 أكتوبر 1989
شُكّل المؤتمر برئاسة العقيد “محمد الأمين خليفة”، عضو مجلس ثورة الاتقاد الوطني، وعضوية سبعة عشر آخرين، بهدف دراسة الأسباب التي أدت إلى الحرب الأهلية، على أن يُقدم المؤتمر توصيات بسياسات تؤدى إلى حل المشكلة.
شارك في المؤتمر معظم القوى السياسية في السودان، باستثناء الحركة الشعبية لتحرير السودان وقياداتها. وأعطى المؤتمر اهتماماً لمشكلة الجنوب، على الرغم من عدم حضور ممثلين من الجنوب. وأوصى بعلاج المشكلة عبر الإصلاح السياسي والحل السلمي لها. واتفق على أن تكون الفيدرالية هي البديل لاستيعاب حقائق الواقع السوداني، بمختلف صوره وأنماطه، دون الالتفات لمدى التعارض بين هذا الطرح وأُطروحات تطبيق الشريعة الإسلامية.
وتتمثل أهم التوصيات التي طرحها المؤتمر في الأتي:
قيام نظام فيدرالي، ومنح سلطات واسعة للحكومة المركزية، مثل:
سلطتها في الشؤون الخارجية، والدفاع، والجنسية، والهجرة، والعملة وصكها، والإعلام العام، والتخطيط الاقتصادي والتعليم.
تركيز التشريع على الحكومة المركزية.
جعل الإسلام والشريعة المصدران الأساسيان لتشريع القانون العام، بشقيه المدني والجنائي.
نُصّ على أن يكون من حق الأغلبية المسلمة أن تطبق قوانينها، مع صيانتها لحقوق الأقليات. واقتصرت حقوق الأقليات على قانون الأسرة في الزواج، والطلاق، والإرث، والولاية، والعبادة وفق شعائر الفرد، ونُصّ على أن: “تتوافر حرية العقيدة الدينية والدعوة لها، دون إحداث استفزاز لمعتقدي العقائد الأخرى”.
أشارت التوصيات إلى أن السودان دولة عربية أفريقية، دون إشارة إلى عرق تنتمي إليه الأغلبية أو الأقلية.
اقترحت توصيات انتخاب رئيس تنفيذي، يشترك في انتخابه جميع المواطنين ممن بلغوا سن الانتخاب.
نصّت بعض المقترحات على مشاركة الجنوب في السلطة والثروة. ولكنها عالجت أمر موارد النفط المتنازع عليها، بأن تذهب هذه الموارد العامة إلى الحكومة المركزية، التي تقدم ـ بدورها ـ موارد عادلة لتنمية الأقاليم المتخلفة اقتصادياً، مع ضمانات بتقديم حصة عادلة من دخل النفط للمنطقة التي تنتجه.
لم تُطرح أي توصيات عن مستقبل الجيش الشعبي لتحرير السودان.
اتخذت الجبهة موقفاً رافضاً من قرارات مؤتمر الحوار الوطني للسلام، كما رفضتها كذلك “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، التي كانت تمثل الجناح الرئيسي والأوحد الذي يقود العمل السياسي والعسكري في الجنوب، واعتبرتها مجحفة بحقوق الشعب السوداني في الجنوب.
سعت قوات الجبهة الشعبية إلى تصعيد نجاحها في السيطرة على بعض المدن، لإحكام سيطرتها على المواقع الرئيسية في الجنوب. ونتيجة لما سبق، أصبح خيار الحل العسكري هو المرجح أمام الحكومة. لذا قامت الحكومة بالآتي:
الحصول على السلاح اللازم لخيار الحل العسكري. ونجحت الحكومة في التعاقد على صفقتي سلاح من الصين، كلٍ صفقة بمبلغ 300 مليون دولار، عن طريق إيران.
محاولة تحييد الدول التي تقدم المساعدات إلى قوات جون قرنق، خاصة إثيوبيا. وقد ساعد السودان في ذلك نجاح الثورة الإثيوبية، وهروب الرئيس السابق منجستو هايل ماريام، وتحسين العلاقات الإثيوبية ـ السودانية، وأوقفت إثيوبيا مساعداتها لجون قرنق. ولكن السودان لم ينجح مع أوغندا، نتيجة للصداقة التي تربط بين “يورى موسيفني” رئيس أوغندا و “جون قرنق” رئيس الجبهة الشعبية.
في السادس من نوفمبر أصدرت الحكومة “قانون الدفاع الشعبي”، الذي قنن حمل السلاح الموجود في أيدي الناس، كما منحت الحكومة الميليشيات رتب، وجعلتهم يمارسون سلطات وصلاحيات أجهزة الأمن.
وقد تبنت حكومة السودان التوصيـات، وأوعـزت بأن مؤشرات سياستها الجديدة ستستخدم أساسا لإجراء حوار مع الحركة الشعبية. ولكن ما قامت به الحكومة والحركة الشعبية في الأسبوع الأخير من أكتوبر، أوضح أن السلام هدفٌ بعيد المنال.
في الثاني والعشرين من أكتوبر، استعادت الحكومة مدينه الكرمك، وفي الحادي والثلاثين من أكتوبر، شنت الحكومة هجوماً في “يرول” على الجيش الشعبي. وبذا بدأت العمليات العسكرية في النشاط مرة أخرى.

النشاط العسكري في الجنوب خلال عام 1994
شهد أواخر شهر فبراير نشاطاً مكثفاً، من قِبل القوات المسلحة لقمع حركة التمرد، مستغلة حركة الانشقاق داخل الجيش الشعبي لتحرير السودان، بين “جون قرنق” واتباعه. فقد تجددت مع بداية شهر مارس الاشتباكات بين الفئتين المتصارعتين في قوات الجيش الشعبي، ودارت عدة اشتباكات في مدينتي الناصر وتوريت.
حشدت القوات المسلحة قواتها في أقاليم الجنوب الثلاثة، بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل، استعداداً لشن هجوم يهدف إلى طرد قوات جون قرنق من جنوب إقليم كردفان، إلى منطقة الغابات في بحر الغزال. وكذلك طردها من المدن المهمة والإستراتيجية في الإقليم الاستوائي، مثل توريت وكبويتا.
وتمكنت القوات الحكومية في أواخر شهر مارس، من تدمير عدة معسكرات لمتمردي الجنوب، بمنطقة كاتشا جنوب ولاية كردفان، مما يعد بداية للقضاء على باقي الحركة في الجنوب. وبعد عدة اشتباكات تمكنت القوات الحكومية في الخامس من شهر مايو، من استرداد مدينة بور، التي تبعد حوالي 650 كم جنوب الخرطوم. وتعتبر هذه المدينة المعقل الرئيسي للقوات المتمردة في الجنوب، وكانت قد استولت على المدينة عام 1988.
وقد اتهم جون قرنق قوات رياك مشار، بالسماح للقوات الحكومية بعبور الأراضي الموصلة إلى هذه المدينة، للقضاء عليه وأسره.
وخلال شهر مايو، تمكنت القوات الحكومية من استعادة عدد من المدن المهمة، مثل مدينة “الجندلة”، التي تقع على مفترق طرق إستراتيجية قرب مدينة جوبا؛ ومدينة “شهيب” الإستراتيجية، ومدينة “بيبور” في محافظة جونقلي في ولاية أعالي النيل، ومدينة منقلة.
أعلن اللواء الركن (جعفر شريف محجوب)، قائد المنطقة العسكرية الاستوائية، أن عدد المتمردين الذين سلموا أنفسهم بلغ خمسة آلاف فرد. وأشار إلى أن قواته تتحرك الآن غرب المنطقة الاستوائية لتمشيطها. وقد تمكنت قواته من تدمير معسكر كبير للمتمردين، بين ولايتي بحر الغزال والاستوائية.
قررت كل من إيران والسودان في شهر يونيه، تعميق العلاقات الأمنية من خلال اتفاق شمل نشر أسلحة إيرانية في السودان، من أجل تدعيم نظام الحكم . وأفادت التقارير أن شحنات الأسلحة الأولى، ترافقها وحدات الحرس الثوري الإيراني قد وصلت إلى السودان.
بلغ حجم المساعدات الإيرانية للسودان ما قيمته 20 مليون دولار. يصاحبها 169 خبيراً إيرانياً في سلاح الطيران والدفاع الجوي والحرب الصاروخية، ويعملون في إدارة قاعدة الخرطوم العسكرية الجوية لتجهيز الطائرات وتقديم الخدمات الفنية.
وصرح وزير الدفاع السوداني في شهر يوليه، أنّ قواته حققت انتصارات على المتمردين في الجنوب، وسيتم الإعلان قريباً عن تحرير مدينة توريت، مقر قيادة جون قرنق. وأكد الفريق الطاهر عبدالرحمن الشيخ، نائب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، أن القوات الحكومة سيطرت على الوضع في مدينة جوبا، بعد محاولة الاختراق التي شنها المتمردون، خلال شهر يوليه، وأن القوات المسلحة كبدتهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات
وصل القاهرة في بداية شهر أغسطس، أحد كبار المسئولين في حركة التمرد ليشرح لمصر رأي الحركة في شأن المفاوضات، التي جرت مع الحكومة السودانية في الشهر الماضي. وأكد أن الهجمات، التي يشنها الجيش الشعبي على مدينة “جوبا”، تمثل محاولات جادة للاستيلاء على المدينة، التي بسقوطها سوف تسقط مدن أخرى في الجنوب. وأوضح أن رفض حكومة الخرطوم التخفيف من شروطها للتوصل إلى تسوية سياسية مع الجيش الشعبي، يشكل ضغطا قد يؤدى إلى إعلان انفصال الجنوب.
أكدت وكالة الأنباء السودانية أن القوات المسلحة، وقوات الدفاع الشعبي، قامتا بعملية تمشيط في شرق ولاية الاستوائية، وقد كبدت القوات المسلحة المتمردين خسائر فادحة في الأرواح، واستولت على كميات من الأسلحة والذخائر.

صرح الرئيس عمر البشير، أن القوات السودانية أصبحت تسيطر الآن على معظم مناطق الجنوب. وأضاف، أنه على الرغم من الانتصارات التي تحققت، إلاّ أنه من الضروري متابعة المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، على أساس أنها الوسيلة الوحيدة لإيجاد حل للحرب في الجنوب.
ذكرت مصادر في جيش التحرير، أن (طاهر بيور)، أحد قادة الحركة، زار القاهرة خلال شهر سبتمبر 92، والتقى مسؤولين في وزارة الأوقاف والأزهر، وسوف يزور بعض الدول العربية الأخرى (مثل السعودية والكويت والبحرين والإمارات) خلال جولته في المنطقة. وهدفه أن يؤكد لهذه الدول أن الحرب الأهلية السودانية، ليس لها صلة بمناهضة الإسلام.
أكد اللواء محمد عبدالله عويضة في منتصف شهر سبتمبر، أن القوات السودانية تسيطر على جنوب السودان سيطرة تامة. وأنها حققت سلسلة من الانتصارات، واستطاعت تدمير أكبر مستودع ذخيرة لحركة التمرد جنوب مدينة (كبوتيا)، وكذلك معسكراً في منطقة (كركى) غرب وجنوب مدينة جوبا. ونفي اللواء عويضة ما ادعته أجهزة الإعلام الغربية، بشأن عدم استقرار الأوضاع في جوبا.
أعلن الفريق البشير أن القوات السودانية سوف تبدأ قريباً، في تنفيذ المرحلة الثانية من عمليات “صيف العبور” في جنوب السودان، للقضاء على متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان. وقال إن القوات المسلحة ستنفذ، بالاشتراك مع وحدات الدفاع الشعبي هذه العملية، بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين. ومن ناحية أخرى، هدد السودان باتخاذ تدابير انتقامية ضد أوغندا، إن استمرت في تقديم الدعم للمتمردين بالجنوب.
ووصف اللواء محمد عبدالله عويضة، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بداية شهر نوفمبر، المحاولة اليائسة التي قامت بها حركة التمرد للهجوم على مدينة (ملكال)، عاصمة ولاية أعالي النيل، بأنها عمل انتحاري. وقد تم تكبيد المتمردين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وأكد أن الأوضاع في الجنوب مستقرة، وأن حركة الطيران في مطاري (جوبا وملكال) تسير سيراً طبيعياً.

الموقفان، الإقليمي والعالمي، وأثرهما في الأمن القومي السوداني
المبحث الخامس: التوجه الإسلامي لنظام الحكم في السودان
تؤكد الأحداث قوة الارتباط بين مشكلة جنوب السودان، وتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وانعكاسها على نظام الحكم في السودان على نحوٍ أكثر وضوحاً من ذي قبل. فضلاً عن أن توجهات السودان الإسلامية فيما عُرف بـ “التوجه الحضاري”، كان لها انعكاساتها السلبية على علاقات السودان الخارجية. إذ بدأت عدة دوائر إقليمية تتحدث عن مدّ قوي للحركات الأصولية انطلاقاً من السودان. وكما اتخذت دوائر دولية أخرى من مشكلة جنوب السودان، وسيلة للضغط على الحكومة السودانية لأحداث تغيرات تتعلق بحقوق الأقليات.

وقد تعمدت قوى المعارضة السودانية بشتى دعاتها في الخارج، توسيع نطاق المشكلة السودانية في المحيط الدولي، تمهيداً لإدخالها مجال التدويل، وإحراج النظام الحاكم من خلال إظهار تجاوزاته في مجال حقوق الإنسان. ومن هذه الزاوية اقتربت المعارضة السودانية من الجنوبيين، بيد أنهما اختلفا حول موضوع تقرير مصير الجنوب، واحتمالات الانفصال. فالحزب الاتحادي الديموقراطي، الذي وقع اتفاقاً مع الحركة الشعبية لتحرير السودان تضمن تنسيق العمل المشترك، رفض طرح فكرة تقرير المصير، لأنها ستؤدى حتماً إلى الانفصال، في ظل الأوضاع السودانية المتدهورة. في حين أعترف حزب الأمة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، من خلال استفتاء يجرى بإشراف دولي. ومع ذلك أشارت بنود الاتفاق إلى وجود تباين في رؤى الطرفين في شأن جبال النوبة وإقليم أبيي وجبال الانقسنا، حيث رفض حزب الأمة حق تقرير المصير لهذه المناطق، التي يعتبرها جون قرنق مناطق تقع سياسياً في إطار الجنوب .

ازداد الوضع في السودان حرجاً على الصعيد الدولي، بعد ظهور عدد من التقارير ـ الرسمية وغير الرسمية ـ من شمال وجنوب السودان تندد بالانتهاكات في مجال حقوق الإنسان. وقد ساهم ذلك في زيادة حدة التوتر في العلاقات بين السودان وبعض الدول الغربية، التي وجدت في النظام السوداني تهديداً لمصالحها في القرن الأفريقي، وربما في وسط أفريقيا على وجه العموم. وساعدت شعارات السودان ذات الطابع الإسلامي، وسعيه الدؤوب في تأييد واستقطاب الحركات الإسلامية في المنطقة، وتعاونه مع إيران، خاصة في المجال العسكري، على تكتُل موقف دولي وإقليمي استهدفا تطويقه، والحد من محاولاته للتمدد ناحية الشرق الأفريقي.
محاولات الجبهة الإسلامية للسيطرة على السلطة
حاولت الجبهة الإسلامية دعم موقفها مبكراً، واختارت أسلوب التسلل إلى القوات المسلحة السودانية، ومحاولة توظيفها في دعم سلطة الجبهة. وكانت علاقة الجبهة بالقوات المسلحة قد بدأت منذ أوائل الخمسينات، حين بدأ تنظيم الأخوان المسلمين في إدخال بعض كوادره الكليات العسكرية، لتشكيل نواة للجناح العسكري للإخوان المسلمين. وشارك في محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت عام 1959، الأمين العام للإخوان المسلمين، حينذاك، “الرشيد الطاهر بكر”، وأسهم في عملية التخطيط والتنفيذ، وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام. وبعد المصالحة الوطنية عام 1977 انتهجت الجبهة الإسلامية تكتيكاً جديداً لاختراق القوات المسلحة، وأسهمت في الضربة التي وجهها نظام حكم الرئيس “جعفر نميري” إلى الأحزاب، لتنفرد الجبهة بالساحة، وأمكنها إدخال العديد من عناصرها في المؤسسات النظامية .
تزايد نشاط الجبهة الإسلامية داخل القوات المسلحة بشكل ملحوظ بعد عام 1979، حين تم إقناع الرئيس “نميري” بمنح بعض الضباط دورات في المركز الإسلامي الأفريقي في الخرطوم. كما عُقدت دورات قصيرة للرتب العليا داخل القيادة العامة، وشارك في المحاضرات الدكتور حسن الترابي (الأب الروحي للحركة الإسلامية في السودان). وقد شارك ضباط من الذين تلقوا تدريبهم في المركز الإسلامي الأفريقي في التخطيط والتنفيذ لانقلاب يونيه من عام 1989.
ثم تلا ذلك تحرك الجبهة، مع ثورة يونيه 1989 لإحكام سيطرتها على الدولة والقوات المسلحة. ومع قيام انقلاب 1989، أوقف المجلس العسكري العمل بالدستور، وألغى المؤسسات الدستورية القائمة، وحلّ الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، التي كانت قد أصبحت قوة فاعلة في الحياة السياسية، منذ قيامها بالدور الأكبر عام 1985، في الإطاحة بحكم الرئيس نميري.
وقد اتخذت هذه الإجراءات بموجب مرسومين متتاليين، ركز أولهما على وقف العمل بالدستور، وإلغاء الجمعية التأسيسية “السلطة التشريعية”، وإقالة مجلس الوزراء “السلطة التنفيذية”. ووضعت جميع السلطات في يد مجلس قيادة الثورة، التي أُطلق عليها “ثورة الإنقاذ”. أما المرسوم الثاني فَحَلّ الأحزاب والتكتلات السياسية، وصادر ممتلكاتها، تحت شعار تحقيق الوحدة الوطنية والإصلاح الاقتصادي، ووضع حد لعزلة السودان .
ولوحظ منذ بداية الثورة، أن الجبهة الإسلامية القومية، التي يتزعمها الدكتور حسن الترابي، لم ترفض الانقلاب، خلافاً لباقي الأحزاب والقوي السياسية والنقابية، كما أنها لم تعلن تأييدها له. وأثار ذلك الموقف الشكوك حول علاقة الجبهة بالانقلاب ودورها فيه. وعلى الرغم من تطبيق قرار حل الأحزاب على الجبهة، وتحديد إقامة الدكتور حسن الترابي واعتقال عدد من قيادات الجبهة، ألا أن كوادرها قامت بدور أساسي في دعم نظام الحكم الجديد، مثل :
التعبئة لتأييد الانقلاب في أوساط الطلاب.
التصدي لأعمال الاحتجاج المناوأة للانقلاب.
وضع القاعدة التنظيمية التي يستند إليها نظام الحكم، في غياب جهاز شعبي مؤيد له.
لم يثبت بدليل قاطع مشاركة الجبهة الإسلامية في الإعداد للانقلاب وتنفيذه، على الرغم من وجود علاقة ثابتة بين بعض قادة الانقلاب والحركة الأصولية في السودان. ولكن الأرجح أن هذه العلاقة كانت مع تنظيم الأخوان المسلمين التقليدي، الذي تجاوزه الترابي فكرياً وتنظيمياً بتشكيل الجبهة الإسلامية القومية، بل وطمح إلى تأسيس تنظيم إقليمي، وربما عالمي، يوازي التنظيم العالمي للإخوان. والاعتقاد الغالب الآن أن الجبهة الإسلامية لم تشارك في الانقلاب، الذي لم يكن ضمن خططها، حيث كانت قد اتجهت عشيته إلى الاشتراك في الحكومة الائتلافية لأول مرة، كبداية للتغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع. ولكن نجاح الانقلاب دفع الترابي، على الأرجح إلى تعديل خططه بسرعة لاستثمار الطابع الأصولي لمعظم قيادات الانقلاب، واستغلال حاجتهم إلى قوة منظمة تساعد النظام الجديد على ترسيخ سلطته، ومواجهة أي مقاومة من القوى والأحزاب الدينية، التي تفككت بعد اعتقال بعض قياداتها، وهرب بعضهم الآخر إلى الخارج، لتشكيل معارضة خارجية تجمعت حول التجمع الوطني السوداني.

ثبت بالفعل مدى أهمية الدعم، الذي قدمته الجبهة للنظام الجديد، الذي تمكن من أحكام سيطرته على الأوضاع في السودان، مستفيداً من تبدد الحماس الشعبي للنظام الديموقراطي السابق، أو من العجز والتخبط، اللذين اتسم بهما سلوك الأحزاب والقوى السياسية التي تعرضت للحل .
وبدأ النظام في السعي إلى صيغة جديدة للحكم، تسُدُّ الفراغ الناجم عن غياب جهاز شعبي للنظام، حتى في صورة تنظيم سياسي واحد، كالذي استند إليه نظام نميري. فأُعلن في نوفمبر 1989 عن فترة انتقالية لمدة خمس سنوات، يُنفّذ خلالها ما أطلق عليه “برنامج إنقاذ وطني شامل”.
وسعى النظام للإفادة من التجربة الليبية، لإيجاد جهاز سياسي يستند إليه من خلال تشكيل لجان شعبية مفتوحة، لمن يرغب في المشاركة في العمل العام. وقامت كوادر الجبهة الإسلامية القومية بالدور الرئيسي في الإشراف على تشكيل هذه اللجان، في يوليه عام 1989، إلى جانب الأجهزة الأمنية للنظام، التي أعيد تشكيلها وتصفية العناصر الموالية لحزب الأمة والحزب الاتحادي فيها، ضمن عملية تطهير شاملة امتدت إلى القوات المسلحة ومختلف مؤسسات الدولة.
شُكلت لجنة للإعداد لعقد مؤتمر، أُطلق عليه مؤتمر “الحوار الوطني”. ووضع وثيقة تقوم على أساس الصيغة الفيدرالية، سعياً إلى حل مشكلة الجنوب في إطارها. وبدأ المؤتمر عمله في أغسطس 1990، بمشاركة 501 عضواً. وترتب على ذلك وضع نظام جديد لتقسيم السودان إلى تسع ولايات، بدلاً من نظام الأقاليم السابق كأساس لنظام فيدرالي، وإنشاء مجلس وطني انتقالي يُراعي التمثيل الفئوي، ويضم أعضاء مجلس قيادة الثورة، والوزراء، والولاة (حكام الولايات) ورؤساء لجان الإنقاذ في الولايات. وصدر مرسوم لنقل الصلاحيات التشريعية، من مجلس قيادة الثورة إلى هذا المجلس الوطني الانتقالي. وأصبح هذا المجلس بمثابة الجهاز التشريعي للسودان على الرغم من أنه لم يُشّكْل بالانتخاب، ويضم 302 عضواً، منهم عناصر كانت تنتمي للأحزاب، التي تم حلها، وانشقت عليها.
وفي هذا السياق اتسمت عملية بناء نظام الحكم الجديد بالارتباك والتجزئة، في غياب تصور شامل للشكل النهائي، الذي سيتطور إليه هذا النظام. ويرجع ذلك أساساً إلى العجز عن تحديد موقع الجنوب من هذا النظام. فقد اتجه قادة النظام للتركيز على طرح صيغة فيدرالية لهذه العلاقة، دون استبعاد احتمال انفصال الجنوب كخيار أخير، بدا ـ لبعض الوقت ـ أن الجهة الإسلامية القومية تفضله، طالما أن استمرار الجنوب جزءا من الدولة السودانية، أيا كانت طبيعتها، يعرقل إقامة نظام إسلامي في السودان.
وقد اتجه النظام للتفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، منذ لقاء أديس أبابا، في أغسطس 1990. لكن تدهور أوضاع الحركة وانقسامها على نفسها، تحت وطأة الضربات التي وجهتها لها القوات المسلحة، أتاح للنظام التفاوض من موقع القوة، والإصرار، على الصيغة الفيدرالية، مع إمكان إعفاء المناطق الجنوبية غير المسلمة من أن تطبق عليها القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية. وقد رجح ميزان القوى بشكل واضح لصالح القوات الحكومية، نتيجة تغيرات إقليمية، منها انهيار نظام منجستو في إثيوبيا، الذي كان مصدراً مهماً لدعم المقاومة في الجنوب . لكن بشكل عام، ظلت مشكلة الجنوب هي العامل الرئيسي في عدم تبلور صيغة واضحة نهائية لنظام الحكم في السودان، على الرغم من تركيز سلطته، وبناء جهاز شعبي مساند له في صورة اللجان الشعبية للإنقاذ، وتشكيل المجلس الوطني الانتقالي. وعلى هذا النحو أصبح نظام الحكم يعتمد على سلطة الفرد الواحد، لكنه محكوم بإطار إسلامي يعكس النفوذ المتزايد للجبهة الإسلامية القومية، التي تقدم الغطاء الأيديولوجي للنظام. والملاحظ أن هذا الغطاء ليس إسلامياً فقط وإنما يتضمن مكونات عدة، منها ما يُطلق عليه “ديموقراطية المشاركة المباشرة”، و”المؤتمرات الشعبية”. والمقصود بذلك المؤتمرات التي عقدتها اللجان الشعبية، وأُطلق عليها “المؤتمرات الأساسية” باعتبارها تمهيدا لعقد مؤتمر وطني عام.
ويُعلل النظام طابعة الإسلامي بدعوى أن أهم الأحزاب، التي عرفها السودان في تاريخه هي أحزاب إسلامية، بما في ذلك الأحزاب المعارضة له الآن، مثل حزب الأمة، والحزب الاتحادي بجناحيه. ولذلك يقول الفريق البشير: “إن الشارع السوداني في جوهره هو شارع إسلامي، وقد جئنا نحن وطرحنا الطرح نفسه، الذي تبنته أهم الأحزاب، لكن في إطار موحد، لتوحيد كل القوى السياسية في البلاد” .

المبحث السادس: الموقف الإقليمي من مشكلة الجنوب
موقف مصــر
مع قيام ثورة 23 يوليه 1952 في مصر، بدأت مرحلة جديدة في العلاقات المصرية السودانية. وتمثل التغير في المناخ الجديد، الذي أتاحته الثورة في سياستها تجاه السودان في السنوات الأولى، في موافقة مصر على منح السودان الحق في الحكم الذاتي وتقرير المصير، إذ أعلن الرئيس “جمال عبدالناصر” موافقته على إجراء استفتاء عام في السودان من أجل تقرير المصير، و”ذلك في إطار السودان الموحد شماله وجنوبه”، عندما أدرك أن هذه رغبة الأغلبية الساحقة للشعب السوداني. كما اعترفت مصر بالجمهورية السودانية المستقلة في الأول من يناير 1956 . ومرت العلاقات المصرية ـ السودانية بفترة من العلاقات المتميزة بين الدولتين.
ارتبطت العلاقات المصرية السودانية بعد استقلال السودان، بِنَوْعِيّة نظام الحكم والسلطة الحاكمة، إذ أصبحت علاقات الدولتين مذبذبة بين التعاون أو التردد، بل والأزمة أحياناً.
وخلال فترات التعاون هذه، وقعت اتفاقية الانتفاع بمياه النيل في عام 1959، وإنهاء الحرب الأهلية في الجنوب وتوقيع اتفاقية “أديس أبابا” عام 1972، ومنهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي بين البلدين في 11 فبراير 1974، واتفاقية الدفاع المشترك عام 1976، وميثاق التكامل المصري ـ السوداني في أكتوبر 1977. وقد عدّ الجنوبيون اتفاقية الدفاع المشترك وميثاق التكامل موجهين إلى جنوب السودان، وأن مصر تدعم النظام السوداني ضد مطالبة الجنوبيين بالاستقلال.

كما ارتبطت فترات الأزمات بوصول إحدى القوى السياسية، غير المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصر، ولا تحمل وداً لحكومة القاهرة مثل: “حزب الأمة، والجبهة الإسلامية القومية”. فقد سعت هذه القوى إلى السير بعيداً عن مصر، والبحث عن قوى إقليمية بديلة، مثل:” إثيوبيا، وليبيا، والمملكة العربية السعودية، وإيران”.
وقد أثيرت قضايا كثيرة، خلال تطور العلاقات المصرية ـ السودانية منذ عام 1956، من أهمها الحرب الأهلية في جنوب السودان. وقد شكّلت هذه الحرب المدخل المناسب لتدخل القوى الأجنبية في شؤون البلاد والضغط لإسقاط حكوماته، بل والتأثير على بعض تلك الحكومات لفك ارتباطاتها المميزة مع مصر.
فخلال فترة حكم الرئيس نميري، وُضع برنامج لتوطين أكثر من مليوني فلاح مصري حول قناة جونقلي. واعتقد الجنوبيون أن الجيش المصري سيأتي لحراسة القناة، وأن الفلاحين المصريين ربما يأتون لزراعة مناطق حول القناة .
وعقب ثورة الإنقاذ، بقيادة الفريق “عمر حسن البشير”، لقيت الثورة تأييداً من مصر، باعتبارها نظاماً وطنياً أتى ليحقق الاستقرار في السودان، ويحل أزمة الجنوب، وكذلك الأزمة الاقتصادية، التي بدأت تظهر بوادرها في حكم “الصادق المهدي” ، خاصة وأن حكومة “الصادق المهدي” طلبت إلغاء ميثاق التكامل المصري السوداني، وأحلت محله ما أطلق عليه “ميثاق الإخاء”، وهو تعاون أقل كثيراً من التعاون الذي كان مخططاً له، طبقاً لميثاق التكامل.
وحاول النظام السوداني الجديد الاستفادة من حالة الفتور السابقة، بين مصر وحكومة الصادق المهدي. وقدم نفسه بوصفه نظاماً يسعى إلى توطيد العلاقات المصرية السودانية ؛ وأنه يهدف إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في السودان، وهو توجه يتمشى مع السياسة الخارجية المصرية تجاه السودان. ولكن في حقيقة الأمر كان النظام الجديد في السودان يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف، منها:

توطيد أركانه واكتساب الشرعية الإقليمية والعربية، عبر البوابة المصرية.
السعي إلى تخفيف حدة الضغوط الأمريكية، التي بدأت الولايات المتحدة تمارسها على النظام، خاصة بعد أن حلّ النظام النّقابات المهنية والعُمالية، واعتقل بعض الزعماء السياسيين والعمال والمواطنين، وأصدر أحكاماً بالإعدام على بعض الشخصيات السياسية، كما صادر بعض الصحف.
محاولة حل مشكلة جنوب السودان، وقد طلب الفريق “عمر البشير” من الرئيس “محمد حسني مبارك”، المساعدة في التوصل إلى حل سلمى للمشكلة.
وفي محاولة لتنفيذ طلب الحكومة السودانية، عقدت مصر اجتماعين، الأول مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، والثاني مع وفد من ائتلاف أحزاب المعارضة السودانية. إلاّ أن العميد “محمد الأمين خليفة” عضو المجلس العسكري السوداني، انتقد في تصريح له هذه الاجتماعات، ووصفها بأنها تسمم العلاقات المصرية السودانية. وكان من الواضح أن السودان يسعى للحصول على دعم عسكري مصري، لحل مشكلة الجنوب .

استجابت مصر لنداء الحكومة السودانية، وناشد الرئيس “حسني مبارك”، عند حضوره احتفالات فرنسا بالعيد المائتين للثورة الفرنسية، زعماء الغرب بدعم النظام السوداني الجديد. ويرى منصور خالد أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، اسـتجاب لنداء الرئيس “حسني مبارك”، واستخدم حقه في تعطيل تطبيق القانون الأمريكي 512، الذي يُلزم الإدارة الأمريكية بعدم مساعدة أي نظام يُطيح بالديموقراطية .
أيّدت الحكومة المصرية النظام السوداني الجديد، وقدمت له الدّعم السياسي من أجل حصوله على الشرعية الإقليمية والعربية، وتخفيف حدة الضغوط الأمريكية. إلاّ أنها أبدت تخوفها من تصاعد أساليب العنف، التي يتبعها النظام تجاه قوى المعارضة السـياسية السودانية. كذلك أبدت تحفظها على الاتجاه نحو فرض نظام الحزب الواحد، والسـياسة المتخذة تجاه الجنوب، المتمثلة في اختيار الحل العسكري للمشكلة. ولم يقتصر موقف مصر فقط على موقف الحكومة تجاه السياسة الجديدة لنظام الحكم السوداني، بل تخطاها إلى موقف الشعب والأحزاب السياسية المصرية، التي رأت أن النظام انقلاب عسكري استولى على الحكم من حكومة ديموقراطية منتخبة من قبل الشعب، وأنه نظام أصولي إسلامي من شأنه أن يثير العديد من المشكلات والأزمات في المنطقة .
زار الفريق “عمر البشير” القاهرة، في فبراير 1990. وقد أبدت القيادة المصرية للفريق البشير خلال الزيارة، تخوفها وتحفظها على بعض الإجراءات، التي يتبعها النظام في السياسة الداخلية ومشكلة الجنوب. واعترض على تلك التحفظات بعض أعضاء المجلس العسكري السوداني، واعتبروها تدخلاً في الشؤون الداخلية للسودان .
عندما نشبت حرب الخليج الثانية، اتخذ السودان موقفاً مُدَعِّماً للعراق، وهو يخالف التوجه المصري الذي أيد الكويت. وترددت أنباء عن نشر العراق لصواريخ أرض ـ أرض، موجهة إلى مصر، في السودان، فهدد الرئيس “محمد حسني مبارك” بضربها، إذا ما ثبت صحة ذلك. وأدّى هذا الموقف إلى توتر حاد في العلاقات المصرية السودانية، ولكن لم تغير مصر موقفها إزاء مشكلة الجنوب .

كونت أحزاب المعارضة السودانية تحالفاً، انضمت إليه الجبهة الشعبية لتحرير السودان. واختارت المعارضة الأسلوب العسكري لإسقاط النظام الحاكم، واستخدمت الأراضي الإريترية والإثيوبية لمهاجمة شرق السودان. كما نشطت بالمثل الهجمات العسكرية في الجنوب. وأصبح الأمر يشكل تهديداً بقيام حرب أهلية، خاصة مع تنامي ميليشيات الجبهة الإسلامية وأحزاب المعارضة. وازدادت حدة الأزمة بين السودان وإريتريا، التي اتهمت السودان بدعم حركة الجهاد الإسلامية الإريترية. وقطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع السودان. وكذلك فرضت إثيوبيا قيوداً على علاقاتها مع السودان، نتيجة لاتهام السودان بالاشتراك في المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس محمد حسني مبارك على الأراضي الإثيوبية. ومع ازدياد دعوى انتهاك حقوق الإنسان، زادت حدة التوتر بين السودان والولايات المتحدة. وأصبح الموقف في السودان، يتسم بحدة التوتر داخلياً وإقليمياً وعالمياً. وأملى ذلك الموقف على السـودان، أن يلجأ إلى مصر لتهدئة الموقف، وهو ما تم عقب لقاء الرئيس “محمد حسني مبارك” مع الرئيس “عمر البشير”، على هامش مؤتمر القمة العربي في يونيه 1996 .
مع ازدياد حدة الموقف في السودان، دعا المجلس الانتقالي في السودان إلى تعاون محدود مع مصر، من أجل إيقاف ما أُطلق عليه “الاعتداءات الخارجية”، التي أعتبرها السودان تهديداً للمصالح الحيوية المصرية والسودانية معاً، بل هي تهديدات موجهة ضد مصر بالأساس. وتمت زيارة نائب الرئيس السوداني “اللواء الزبير” إلى مصر، في هذا الإطار.
آثرت مصر مبدأ عدم التدخل، أو التورط عسكرياً، في الحرب الأهلية في الجنوب، على أساس أنها مشكلة داخلية، وأن أطرافها أبناء شعب واحد، وأنها مشكلة يجب أن تُحل سلمياً في إطار وحدة السودان. لذا وقفت مصر أمام أي محاولة لتدويل المشكلة وإخراجها عن نطاق المواجهة الثنائية بين الطرفين، محاوِلة الحفاظ على علاقاتها مع كل من الحكومة السودانية وأطراف المعارضة.
وتؤكد مصر على أن الديموقراطية ووحدة السودان، مسألتان رئيسيتان في أي تسوية بين الحكومة والمعارضة، وأن مصر لن تقبل فكرة تقسيم السودان أو العبث بوحدته. وأن جميع قوى المعارضة اتفقت على ذلك، ونبذت فكرة قيام دولة في الجنوب، بما في ذلك “جون قرنق” نفسه، وأن أي عبث بوحدة السودان يؤثر إستراتيجياً على مصر والمنطقة العربية .
رفضت مصر “ميثاق الخرطوم”، الذي وقعته الحكـومة مع بعض الفصائل الجنوبية الست في شهر أبريل 1997، انطلاقاً من رؤية مصر أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى انفصال الجنوب. كذلك تحفظت مصر على بعض مواقف التجمع الوطني، ونتائج مؤتمراته التي عقدت في أسمرا، وتبنت مبدأ حق تقرير المصير، وشككت في نوايا الجيش الشعبي لتحرير السودان. وناقشت مصر ذلك كله مع الصادق المهدي وجون قرنق في القاهرة. وتتخوف مصر من تداعيات الحل العسكري للمشكلة، الذي تؤيده قوى دولية وإقليمية تتدخل في الشؤون السودانية.
وترى مصر عقد “مؤتمر قومي دستوري”، تُشارك فيه الحكومة وكل القوى الأخرى، لإجراء حوار هادف حول الهوية السودانية ومستقبل ونظام الحكم في السـودان، والتوصل إلى وثيقة يجرى تنفيذها خلال فترة انتقالية محدودة .

المبحث السابع: الموقف الدولي من مشكلة الجنوب
شهدت علاقات السودان على الصعيد الخارجي، منذ استيلاء ثورة الإنقاذ عام 1989 على السلطة، العديد من التحولات والمتغيرات، التي أفرزت في مجملها حالة من التوتر وعدم الاستقرار مع معظم الأطراف الدولية. وبدأ السودان يعاني من عزلة سياسية، نبعت من اتهامه بتعارض سياساته مع مطالب الإجماع الدولي، الذي يرفض التطرف والإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

اختلف الموقف الدولي في المنطقة في فترة ما قبل عام 1985، وظهور سياسة البريستورويكا، عن الفترة التي سبقت عام 1985. ومع تنافس القوتين العظمتين على اقتسام العالم، برزت القارة الأفريقية على السطح كمجال لتنافس القوتين، لمد مناطق نفوذهما وسيطرتهما، خاصة في منطقة القرن الأفريقي، لأهميتها الإستراتيجية والجيوبولوتيكية.
وعندما أُعلن عن تأسيس التكامل المصري السوداني، كان المأمول أن يصبح التكامل مصدر قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية للدولتين. وهذا يتعارض مع مصالح كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأهدافهم، التي التقت نحو عدم إتمام التقارب المصري السوداني، وإن تصارعت الدولتان العظمتان على السيطرة على المنطقة. لذا، عملت كل منهما على إحباط هذا التقارب، وإِن اختلفت الأدوات والأساليب.
الولايات المتحدة الأمريكية
تُولي الولايات المتحدة المنطقة اهتماماً، وقد أوضح “لافون ووكر”، مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية ، اهتمام الولايات المتحدة بالسودان، ومنطقة القرن الأفريقي، إذ قال: إِنها أقطار ذات قيمة إستراتيجية للولايات المتحدة، في سعيها للحفاظ على مصالحها في مسرح الخليج وجنوب غرب آسيا.
إنّ للولايات المتحدة الأمريكية مصالحها، التي تتعلق بتوازن القوى العالمي، وهي تسعى ـ دائماً ـ لأن يكون ميزان القوى، راجحاً لمصلحتها. كما أنها تقيم علاقاتها مع دول المنطقة، بما يُدعم أمن إسرائيل؛ فضلاً عن أنها تساند الدول العربية المحافظة في المنطقة. انطلاقاً من تلك الإستراتيجية ساعدت الولايات المتحدة السودان في أواخر السـبعينات للتغلب على مشاكله الاقتصادية، وسمحت لشركة شيفرون القيام بأعمال التنقيب عن النفط. وبإعلان الشريعة الإسلامية في السودان، وتخوف الولايات المتحدة من مدّ إسلامي يهدد الدول المسيحية المحيطة بالسودان، تحول موقف الولايات المتحدة نحو مساندة حركات التمرد في جنوب السودان، مع الاقتناع بعدم تقديم الأسلحة والمعدات إلى السودان. ثم أوقفت شركة شيفرون أعمال التنقيب عن النفط .

بدأت الولايات المتحدة التحرك، من أجل إيجاد تسوية سلمية للحرب الأهلية في السودان. ورفعت مستوى الاتصال مع زعيم الحركة الشـعبية لتحرير السودان، “جون قرنق”، الذي زار الولايات المتحدة، في 4 يونيه 1989، للاجتماع مع الرئيس الأمريكي السابق، “جيمي كارتر”. واجتمع، في 8 يونيه، مع مسؤولين من وزارة الخارجـية الأمريكية، وأعضاء الكونجرس الأمريكي
تجاوبت الحكومة السودانية مع جهود الوساطة الأمريكية، ووافقت على الدخول في محادثات سلام مع الجنوب، بدأت في 19 أغسطس 1989، في أديس أبابا، ثم في نيروبي، في 3 ديسمبر 1989. وأعلن “جيمي كارتر”، موافقة السودان على استئناف الرحلات الجوية، لتقديم المعونات الغذائية لجنوب السودان. ولكن انهارت المحادثات بعد يومين، لتمسّك الحكومة السودانية بتطبيق الشريعة الإسلامية . وتوترت العلاقات بين الولايات المتحدة والخرطوم، نتيجة لفشل المحادثات. وبعد اللقاء، الذي عقد بين الرئيس السوداني والمستر “هيرمان كوهين”، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، في 8 مارس 1990، في الخرطوم، أوقفت الحكومة الأمريكية المساعدات العسكرية والاقتصادية للسودان. ومع انحياز النظام السوداني للرئيس صدام حسين في عدوانه على الكويت، زادت حدة التوتر. ورحلت الولايات المتحدة مائتين من الرعايا الأمريكيين، من الخرطوم، قبل بدء حرب الخليج .
تُولي الولايات المتحدة الأمريكية، منذ أوائل التسعينات، اهتماماً أكبر بالأوضاع في السودان، بحكم اتجاهها إلى إعطاء قدر أكبر من الاهتمام إلى منطقة البحيرات العظمى، ومحاولة النظام السوداني القيام بدور إقليمي أوسع، في اتجاهات تعدّها دول كبرى مهددة لمصالحها. وتصاعد دور جماعات حقوق الإنسان، والجماعات الكنسية والإعلام في التأثير على السياسة الأمريكية في اتجاه التدخل في الشؤون السودانية، إضافة إلى صراعات وضغوط شركات النفط الدولية . ركّز التدخل الأمريكي على محاولة عزل النظام السياسي السوداني دولياً، والضغط عليه لإعادته داخل حدوده، وحلّ مشكلة جنوب السودان مع تولي العملية تيار متشدد من قسم أفريقيا بوزارة الخارجية، وجهاز الاستخبارات المركزية، وبعض دوائر الكونجرس، لزيادة الضغط على الحكومة السودانية.
وفي إطار ذلك تبلور اتجاهان رئيسيان للتعامل مع المشكلة، يرتبط أولهما بتبني المعارضة السودانية خيار العمل المسلح، لإسقاط النظام الحاكم في الخرطوم. بينما يرى الاتجاه الثاني ممارسة خط سياسي، بفرض حظر دولي شامل على صادرات السلاح إلى السودان، وتقديم المساعدات المالية لدول الجوار لمواجهة التحديات السودانية.
وظلت الأزمة حتى نهاية 1997، تراوح مكانها بين الموقفين، وسط مؤشرات توحي بأن أيّاً منهما بوضعه الراهن، لن يكون السبيل لحل الصراع داخل السودان. فالخيار العسكري لا يؤدي لنتائج حاسمة، كما يواجه الحل السياسي مشكلات مختلفة في ظل المواقف المعلنة لأطرافه . وهناك تباين في الموقف الأمريكي من السودان ككل، بما في ذلك مشكلة جنوب السودان. وظهر تيار يدعو إلى ضرورة الإبقاء على النظام السوداني الحالي، باعتبار أن سقوطه سيؤدى إلى تقسيم السودان إلى عدة دويلات. ويدعو هذا التيار إلى تبنى سياسة الحوار مع النظام، بهدف ترشيد سلوكه وإصلاح مساره .
أعلنت صحيفة “واشنطن بوست”، في عددها الصادر في 10 نوفمبر 1996، أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات عسكرية إلى ثلاث دول مجاورة للسودان لإضعاف النظام الإسلامي في الخرطوم. وأن تجهيزات عسكرية أمريكية، تبلغ قيمتها نحو 20 مليون دولار، ستنقل إلى إثيوبيا وإريتريا وأوغندا، حيث تُعدّ مجموعات سودانية معارضة هجوماً مشتركاً، للإطاحة بالحكومة. وتشمل التجهيزات أجهزة اتصال لاسلكي، وملابس عسكرية وخيام. وأن هذه المساعدات يمكن أن تضم، في وقت لاحق، بنادق وأسلحة أخرى .

وأعلن “نيقولاس بيرنز”، الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية، في 22 يناير 1997، أن الولايات المتحدة قلقة للقتال الدائر في السودان. وطلب من الحكومة والمتمردين، وأي طرف متورط في هذه المعارك، الاعتدال والتفاوض. ورفض أن ينفي أو يؤكد تقديم إثيوبيا وإريتريا وأوغندا مساعدات إلى المتمردين، إلاّ أنه من الواضح أن واشنطن لم تقدم أي مساعدة عسكرية إلى هذه البلدان، وأن المساعدة المدنية المقررة لها عام 1996، ومقدارها 15 مليون دولار، لم تُسلم بعد. وكرر نيقولاس بيرنز أن منظمة الوحدة الأفريقية، أفضل وسيط لإنهاء النزاع.
أصدرت السفارة الأمريكية في الخرطوم، في الثالث والعشرين من يناير 1997، البيان الآتي: “إن مزاعم السودان عن تورط أجنبي في حربه الأهلية، هي محاولة لتحويل انتباه الشعب السوداني والمجتمع الدولي، عمّا هو أزمة سياسية محليه في جوهره”. وأشار البيان إلى اعتقال بعض السياسيين السودانيين، وقال: “إِن هذه الأعمال لا تعالج المشاكل السياسية للحكومة، وتثير مخاوف في شأن حقوق الإنسان، وندعو الحكومة السودانية إلى الاحترام الكامل لحقوق المواطنين كافة، وندعو إلى الإفراج عن المحتجزين”. وفي مجال التسوية السلمية للمشكلة، قال البيان: “لا نؤيد الإطاحة بالحكومة العسكرية، ونجدد دعوتنا لكل الأطراف المنخرطين في الحرب الأهلية في السودان، إنهاء هذا الصراع المأساوي من خلال مفاوضات سلمية، ويجب أن تشترك جميع عناصر المجتمع السوداني في حوار المصالحة الوطنية، إذا قُدّر للسودان أن يضع قدمه على طريق السلام والتنمية”. وأعلن البيان أن الإدارة الأمريكية، وافقت على تقديم معونة إضافية قدرها 75 ,4 مليون دولار عام 1997، وتهدف هذه المعونة إلى مساعدة إريتريا وإثيوبيا وأوغندا في الدفاع عن أراضيها ضد غارات المتمردين، الذين يرعاهم السودان .
وفي 6 أبريل 1997، أعلنت صحيفة “ألوان” السودانية، أن وزيرة الخارجية الأمريكية، “مادلين أولبرايت”، اجتمعت مع “جون قرنق” في لندن سراً، في الفترة من 18 إلى 20 مارس. وأطلع قرنق وزيرة الخارجية الأمريكية، على أوضاع قواته واحتياجاته العسكرية وخططه المستقبلية.
وفي 20 أبريل 1997، اجتمع الرئيس الأمريكي السابق، “جيمي كارتر”، مع الرئيس السوداني، لمناقشة عملية السلام، واحتمالات التوسع لضم جماعات أخرى للبحث في مسألة السلام بين السودان وجيرانه. وكان كارتر يسعى لجمع ممثلين عن الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي يتزعمه قرنق. ولم تتوصل المحادثات إلى حل.

المبحث الثامن: مشكلة الجنوب وأثرها في الأمن القومي
أثارت مشكلة الجنوب عدداً من التهديدات على المستويين، الداخلي والإقليمي، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن السياسية والعسكرية.
أولا: التهديدات الداخلية
1. التهديدات الاقتصادية

أ.
يؤدي الخلل الاقتصادي إلى التبعية الاقتصادية، ثم التبعية السياسية، ويُهدد باستقطاب السودان، واستمرار الصراع العسكري في الجنوب وزيادة الإنفاق العسكري. إن حرمان السودان من بترول الجنوب والتنمية الاقتصادية فيه، زاد من الخلل الاقتصادي وفرص الاستقطاب.
ب.
خلق التفاوت الاقتصادي بين الشمال والجنوب أحقاداً لدى الجنوبيين، انعكست على الصراع، نتيجة لإحساس الجنوبيين بأن المشروعات الاقتصادية، التي تقام في الجنوب لن يستفيد منها أهله. وقد دفع ذلك الجنوبيين إلى تعطيل هذه المشروعات ليساوموا بها، كما حدث في مشروع قناة جونقلي.
ج.
تعطيل استغلال بترول الجنوب يزيد القوة التفاوضية للمتمردين، ويدعم الميول الانفصالية، ويحرم السودان من عائدات النفط، ويمنعه من إمكانية تمويل المشروعات الاقتصادية. كما يؤدي إلى نقص الطاقة اللازمة للمشروعات، ويزيد من اعتماد السودان على المساعدات النفطية من ليبيا وإيران، ومن ثمّ زيادة نفوذهما في السودان.
2. التهديدات الاجتماعية
أ.
انتشار التيارات العلمانية والماركسية ـ التي يعتنقها قادة التمرد ـ في جنوب السودان وشماله. كما أن الشيوعية والمسيحية الغربية تحالفتا معاً في الجنوب ضد مصالح مصر منذ عام 1974، في أحداث جوبا ورومبيك، لتعطيل مشروع جونقلي، ورفض العمالة المصرية السودانية. وقد أثر ذلك على حماية الأهداف والمصالح المشتركة، والأمن المشترك.
ب.
نجحت المسيحية والماركسية في الجنوب، بالتحالف مع مؤيديها في الشمال، في إيقاف العمل بالشريعة الإسلامية في جنوب السودان، وهي تعمل على تعديل الدستور ليكون علمانيا.
ج.
نجاح تمرّد الجنوب يشجع الحركات العنصرية الأخرى ويدعمها، في شرق السودان وغربه. وهي تُعارض التعاون المصري ـ السوداني، مما يهدد، مستقبلاً، بتحالف حركات الشرق والغرب مع الجنوب، وتطويقهم شمال السودان ومصر، وعزلهما عن حوض النيل بعنصريات وأيديولوجيات معادية.
د.
تعمل التيارات الفكرية والأيديولوجية الأجنبية في الجنوب، لخدمة السياسة المناهضة، وتؤثر في حرية القرار السوداني. كما أن الأمية والفقر والتخلف الحضاري والتشرذم الديني، كلها عوامل لا تدعم فكراً ووجداناً مشتركاً للشعبين السوداني والمصري، لأن الفكر والوجدان لم يعودا متوفرين أساسا بين شمال السودان وجنوبه، مما يعرقل تقارب الدولتين اجتماعياً وتحقيق أهدافهما ومصالحهما المشتركة.
3. التهديدات السياسية
أ.
تعقد مشكلة الجنوب وتعدد أبعادها، مع عدم توافر الإمكانيات الذاتية للحل الشامل الدائم، لا يبشر بحل دائم في المستقبل القريب، مما يهدد باستمرار الإضرار بالمصالح النيلية المشتركة في الجنوب، بعدم زيادة حصة المياه. لأن من أول المطالب التي يثيرها الجنوبيون إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل، التي تُعطي مصر أكثر من حقها في نظرهم. فالقضاء على التمرد العسكري وحده، من دون حل المشكلة الأصلية عميقة الجذور، لن يفرز إلاّ مزيداً من اتفاقيات هشة قابلة للسقوط في أول مواجهة.
ب.
تُضعف مشكلة الجنوب وحركة التمرد، كيان السودان وتُهدد أمنه واستقراره. كما أنها لا تحقق الإجماع القومي على الأهداف، والمصالح القومية المشتركة.
ج.
تهدد النزعة العنصرية في مشكلة الجنوب وحركة التمرد، بالانتشار إلى العنصريات الأخرى في شرق السودان وغربه. وهي أحد مظاهر عدم اكتمال التكوين القومي لشعب السودان، إذ لا تزال كل قبيلة محتفظة بنقائها، وتتحفظ في الاندماج في القومية السودانية التي تصهر كل القبائل والأعراق، بما يضعف سيطرة الحكومات، ويقلل قدرتها على وضع حل متكامل للمشكلة، وصعوبة اتخاذ سياسات قومية تحوز الإجماع الشعبي. ولا تستطيع الحكومات التمسك بالاتفاقيات مع مصر، كما حدث بعد الانتفاضة، من مطالبة بإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل لسنة 1959.
د.
محاولات الوقيعة بين مصر والسودان، بتفسير أن اهتمام مصر بحل مشكلة الجنوب، يعني وجود علاقات سياسية مصرية مباشرة مع الجنوب، مما يدفع السودان لإبعاد الوساطة المصرية لحل المشكلة على الرغم من أهميتها، ويضاعف حساسية العلاقات المصرية السودانية، وينعكس على التعاون السياسي المشترك لتحقيق المصالح المشتركة. بينما تفسـر المعارضة الجنوبية وحركة الخوارج أي تكتل سياسي مصري سوداني، على أنه تحالف عربي إسلامي على حساب الجنوب. ولذلك يأتي رفض التكامل واتفاقية الدفاع المشـترك كشرط جنوبي للحوار مع الشمال، مما يعرقل تكتل الدولتين سياسياً.
هـ.
تصر المعارضة الجنوبية في الداخل، وحركة الخوارج، على تعديل الدستور ليكون علمانياً، ويُنص فيه على الاعتراف بوضع خاص للجنوب، ونظام حكم فيدرالي، وقد عطل ذلك إنجاز دستور دائم وفرض إدارة الأقلية على الأغلبية، مما يشجع أي مطالب مشابهة في مصر، ويهدد أمنها ووحدتها الوطنية.

4. التهديدات العسكرية
أ.
إن أخطر ما يهدد السودان ومصر هو تهديد مصدر الحياة في كلا الدولتين، وهو منابع النيل. وتعد مشكلـة جنوب السودان مشكلـة داخلية، مدعومة من قوى خارجية عديدة، مما لا يبشر بالحل الشامل الدائم في المستقبل القريب، وهذا يؤخر تنفيذ تنمية الموارد النيلية ويهددها، كما يورط القوات السـودانية في الجنوب، ويعوقها عن مواجهة التهديدات الخارجية الرئيسية.
ب.
أثرت مشكلة الجنوب وحركة التمرد في فعالية اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان، فزيادة حجم القوات السودانية في الجنوب، وتنوع اتجاهات التهديد، وزيادة القوات الدفاعية في الجنوب أعاقت تخصيص ميزانية لتجهيز مسرح العمليات في الاتجاه الشرقي والغربي. فضلاً عن أن القتال في الجنوب أحدث خسائر بشرية ومادية، أضعفت القوات العسكرية الحكومية.
ثانيا: التهديدات الإقليمية وأثرها
1. التهديدات الاقتصادية
أ.
تهدد مشكلة الجنوب وحركة التمرد التعاون الإقليمي مع دول حوض النيل، وتشكك في هدف التكامل المصري ـ السوداني وتطالب بإلغائه، وترى أن التكامل مقدمة لوحدة على حساب الجنوب الأفريقي. ولمّا كان نهر النيل يعدّ الركيزة الأساسية لبدء مسيرة التكامل بين مصر والسودان، فإن مشكلة الجنوب ظلت تؤثر على إمكانية تحقيق الأهداف المشتركة للدولتين، وتعوق تعاونهما، الفني والاقتصادي، لتطوير استغلال النهر.
ب.
تتحقق تنمية موارد النيل في التغلب على فاقد المياه في جنوب السودان، وإقامة مشروعات للري مع دول حوض النيل. وتحتاج هذه العملية إلى استقرار الأوضاع في جنوب السودان أولاً، حتى يمكن إعادة العمل في قناة جونقلي وباقي المشروعات المطلوبة، مثل مشروعات التخزين في أعالي نهر السوباط داخل الجنوب، ومشروعات زيادة التخزين في البحيرات الاستوائية بتنفيذ مشروع جونقلي.
ج.
زيادة النفقات الدفاعية، مع تدني الوضع الاقتصادي السوداني المتأثر بمشكلة الجنوب، الذي زاده سوءاً فقد مصادر بترول الجنوب وعائداتها، يُضعف التنمية والقدرة القومية للسودان. وتعجز موارده عن صيانة مصالحه القومية وأمنه القومي. وهناك رأي يقول إن ليبيا استغلت ضائقة السودان الاقتصادية، وحاجته النفطية والغذائية والعسكرية، فأمدته باحتياجاته، مما زاد النفوذ والوجود الليبيين في السودان. وبدأت ليبيا تعمل على تكامل إقليم دارفور مع منطقة الكفرة الليبية، ومعاونة السودان على تعلية خزان الروصيرص وطالبت السودان بإلغاء التكامل.
د.
محاولة التمرد فصل الجنوب عن الشمال، فضلاً عن تعاون ليبيا مع إثيوبيا من قَبْل لدعم حركة التمرد.
2. التهديدات السياسية
أ.
ما يدور في الجنوب يجد له صدى لدى دول الجوار، ذات القبائل الحدودية المشتركة، والتي تأوي المعارضة الجنوبية أو حركة التمرد. وتنعكس آثار ذلك في العلاقات مع السودان. كما تؤثر المشكلة في علاقات السودان مع الدول الأفريقية بما تبثه حركة التمرد من دعاية، على اعتبار أن هناك حـربا عنصرية يشنها العنصر العربي المسلم ضد زنوج أفريقيا، مما يؤثر مباشرة في دول حوض النيل ويعرقل تعاونها في مجال المصالح النيلية، ويعرضها للاستقطاب. وكل ذلك يسمح بتزايد نفوذ القوى الاستعمارية وإسرائيل في دول المنابع، ويهدد مصالح السودان.
ب.
احتمال انفصال الجنوب وعزل السودان ومصر عن أفريقيا ومنابع النيل، يحّول موارد مياه النيل في الجنوب من تبعيتها المحلية للسودان، إلى تبعية دولة جديدة معادية لا يمكن التحكم في المياه المارة بها ويصعب تنميتها. وقد تلجأ الدولة الجديدة إلى الضغط باستخدام المياه وسيلة للمساومة.
ج.
نجاح حركة التمرد يساعد إثيوبيا في موقفها التفاوضي المتشدد مع السودان في مجال النزاعات الحدودية، وذلك باستخدام الجنوب كورقة ضغط على السودان لتنفيذ مطالب إثيوبيا، خاصة في مشكلة الحدود بين الدولتين.
د.
تهدف إسرائيل إلى تهديد العمق الإستراتيجي لمصر والسودان وحرمانهما منه، من خلال الحصار الأفريقي المناهض لهما. وجنوب السودان أحد أهداف إسرائيل، باعتباره كياناً مؤهلاً ليكون عازلا بين أفريقيا ومصر والسودان، ويطوقهما ويتحكم في مصادر النيل، ويعرقل تعاونهما. فضلاً عن سعي إسرائيل لاستغلال علاقتها بالجنوب، في تعميق العلاقات مع دول حوض النيل المتعاطفة معه، للحصول على موافقتهم وضغطهم على مصر لإمداد إسرائيل بحصة من مياه النيل، وما يتبع ذلك على الزيادة الكبيرة في قدرة إسرائيل الاقتصادية واستيعاب الهجرة، ثم إلى مضاعفة قدراتها، وأثره المباشر على الأمن القومي العربي.

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>