اتفاق إنجمينا .. مفاجأة البشير لأوكامبو

في تطور سار من شأنه أن يشكل ضربة قوية للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو ، أعلنت حركة العدل والمساواة كبرى حركات التمرد في دارفور يوم السبت الموافق 20 فبراير/ شباط عن توقيع اتفاق إطاري بالأحرف الأولى مع الخرطوم في العاصمة التشادية إنجمينا لحل أزمة الإقليم. وكشفت الحركة في بيان لها أن الاتفاق تضمن إلغاء أحكام الأعدام بحق أسرى الحركة ووقف إطلاق النار ومواصلة التفاوض لوضع الترتيبات النهائية لاتفاق كلي .
ومن جانبه وفي مؤتمر صحفي عقده خصيصا للإعلان عن هذا التطور السار ، أعلن الرئيس السوداني عمر البشير أنه بعد توقيع الاتفاق ستبدأ الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة مفاوضات سلام مباشرة في الدوحة.
وأشار إلى أنه سيحضر والرئيس التشادي إدريس ديبي مفاوضات الدوحة التي تنطلق في 23 فبراير بين الحكومة السودانية وحركات التمرد في دارفور وعلى رأسها العدل والمساواة وأنهما سيوقعان رسميا الاتفاق هناك ، ورغم أن حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور أعلنت أنها لن تشارك بتلك المفاوضات ، إلا أن المجموعة المنشقة عن نور والموجودة حاليا بالدوحة ويقودها عبد الله خليل طلبت مهلة عشرة أيام من الوساطة حتى تكمل مشاوراتها الداخلية لتوحيد فصائل الحركة باعتبارها خطوة تسبق الدخول في المفاوضات وأشارت إلى أنها ستلتحق فيما بعد بتلك المفاوضات.
وقال خليل :” طلبنا مهلة لأن الخطوات الوحدوية لها أهمية كبرى ولابد من الأخذ برأي القيادات الميدانية حتى يستمد كل قرار قوته من الاتفاق حوله من الجميع”.
وأضاف خليل قائلا :” نحن جادون في سبيل حل القضية الدارفورية بالتفاوض”، وتابع :” رفضنا نهج قيادة عبد الواحد الذي يتسبب في عزلة الحركة ويبعدها عن المبادرات الدولية التي تسعى لحل القضية”.
وسواء توصلت حركة تحرير السودان لاتفاق داخلي أم لا ، فإن الأمر الذي لا جدال فيه أن جهود إنهاء أزمة دارفور تقترب من التوصل لاتفاق نهائي ، خاصة وأن مصادر سودانية أعلنت فور التوصل لاتفاق إطاري عن إطلاق سراح حوالي 106 من أعضاء حركة العدل والمساواة ممن كانوا مسجونين في إطار قضية هجوم أم درمان الذي شنته الحركة على العاصمة الخرطوم قبل عامين.
نهاية الحرب
ويبدو أن التطورات السابقة تصب بقوة في صالح البشير الذي يطمح للفوز في انتخابات 11 إبريل ولعل هذا ما ظهر واضحا في تصريحات أدلى بها قبل يوم من توقيع الاتفاق .
وكان البشير أعلن يوم الجمعة الموافق 19 فبراير عن “أخبار طيبة” فيما يتعلق بدارفور ، وأشاد في هذا الصدد ببداية النهاية للحرب في الإقليم كما أشاد بدور الرئيس التشادي إدريس ديبي في جهود حل أزمة الإقليم.
ونقلت جريدة “الخليج” الإماراتية عن البشير القول عقب صلاة الجمعة في مسجد “ابن عربي” بالدروشاب جنوب الخرطوم أمام حشد من الطرق الصوفية :” لقد قام ( الرئيس التشادي ) بخطوتين هامتين في طريق سلام دارفور، الأولى عندما زار الخرطوم ، والثانية أنه موجود منذ خمسة أيام بين وفدي الحكومة وحركة العدل والمساواة من دون أن يغادرهم دقيقة واحدة” ، معربا عن امتنانه وشكره لجهود ديبي.
وأضاف مبشراً ببداية نهاية الحرب في دارفور ” ستسمعون خلال ساعات أخبارا طيبة عن دارفور تعلن نهاية الحرب ” ، واستدرك بالقول :” إن الحرب في دارفور انتهت بالفعل وهي نهاية للأبد إن شاء الله”، وسخر من الذين يراهنون على ضرب السودان والحكومة من دارفور ، قائلا :” سيموتون كمدا”.
وكشف أن برنامج حزبه الانتخابي يقوم على الشريعة الإسلامية ، وقال :” إنها شكلت همهم الأساسي منذ عام 1986 ، كنا نتحرى عن الذين يقفون مع الشريعة ، لأننا لسنا طلاب أحزاب أو حكم أو كراسي سلطة”.
وتابع قائلا :” رايتنا هي لا اله إلا الله ، وسلاحنا الذي نقاتل به هو الله أكبر ، أي شخص في الدعوة هو معنا ، إذا كان أنصار سنة أو صوفي أو ختمي، كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله هو أخونا”.
واستطرد ” الحوار هو أساس التعامل مع كل من يختلف معنا سياسيا طالما نحن متفقون على الأصل ، إن العدو لا يفرز بين الطرق الإسلامية ، فكلنا عدو له “.
واختتم البشير قائلا :” إن إعلان الانتخابات والرجوع إلى الشعب لم يجبرنا عليه أحد ، وليس لدينا وعود أو أكاذيب ولن نزعم فعل كذا وكذا ، بل سنتسمر في إنجازاتنا المعروفة منذ عشرين عاما ، والمحافظة على البلد ووحدتها باتفاقيات نيفاشا أبوجا والشرق والقاهرة والتراضي الوطني التي تهدف جميعا للم شمل أهل السودان”.
التقارب مع تشاد
ما سبق يؤكد ثقة البشير بالفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة وكلمة السر في هذا الصدد هي نجاحه في حل الخلافات مع تشاد وما أعقبها من خطوات إيجابية على طريق حل أزمة دارفور.
ففي 9 فبراير / شباط ، قام الرئيس السوداني بخطوة غاية في الذكاء ، حينما استقبل الرئيس التشادي إدريس ديبي في الخرطوم في أول قمة تجمع بينهما منذ عام 2004 .
الزيارة حملت دلالات هامة ، فهي تمهد لتطبيع العلاقات بين البلدين الجارين وإنهاء التوتر المتصاعد بينهما على خلفية اتهام كل منهما للأخرى بدعم حركات التمرد على جانبي الحدود المشتركة .
فمعروف أنه في مايو/أيار 2009 ، أوشكت الجارتان على الدخول في مواجهة عسكرية بعد اجتياز قوات تشادية الحدود لملاحقة متمردين داخل الأراضي السودانية.
وقبل ذلك ، اتهمت الحكومة السودانية نظيرتها التشادية بالضلوع في الهجوم الذي شنه متمردو “حركة العدل والمساواة” على العاصمة السودانية الخرطوم في مايو/أيار2008 والذي قطعت على إثره الخرطوم وإنجمينا علاقاتهما الدبلوماسية التي استؤنفت لاحقاً في نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته.
وبالنظر إلى أن البشير يعي جيدا أن الغرب يستخدم تشاد في تصعيد الأزمة في دارفور ، فقد حرص في الشهور الأخيرة على التقارب مع تلك الدولة في محاولة لتحسين وضعه الداخلي قبل انتخابات الرئاسة ، بالإضافة إلى الإسراع بتوقيع اتفاقية سلام في دارفور وإنهاء الذرائع التي يلجأ إليها أوكامبو والغرب للتخلص من نظامه الذي لا ترضى عنه واشنطن وتل أبيب باعتباره يعرقل مخططاتهما لنهب ثروات السودان وتمزيقه كما حدث في العراق .
وكانت أول ثمار خطوات التقارب السابقة هي توقيع السودان وتشاد في منتصف يناير/كانون الثاني 2010 في أنجمينا اتفاقا لتطبيع علاقاتهما ، مرفقا بـ”بروتوكول” لإحلال الأمن على الحدود ، حيث اتفقا على تشكيل قوة مشتركة لمراقبة الحدود بينهما تتألف من ثلاثة آلاف عنصر بحيث يقدم كل بلد 1500 جندي ووقف أي دعم لحركات التمرد في كل منهما ووضعا أيضاً جدولا زمنيا لتشكيل قوة مشتركة.
الاتفاق كان له أهمية قصوى لأنه يحرم متمردي دارفور من أحد أهم جهات الدعم الخارجي وبالتالي فإنه سيدفعهم للإسراع بتوقيع اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية .
ورغم أن البعض شكك في صمود الاتفاق السابق طويلا بالنظر إلى انهيار اتفاقات مماثلة في السابق على إثر ضغوط أمريكية وفرنسية وإسرائيلية على تشاد ، إلا أن ما حدث العام الماضي عندما اقترب متمردو تشاد من القصر الرئاسي أكد لحكومة الرئيس إدريس ديبي أن الغرب لن يفيدها كثيرا في حال نجح الانقلاب العسكري المدعوم من الخرطوم ، ولذا أدركت فيما يبدو الدرس وسعت بقوة لتحسين علاقاتها مع السودان .
وجاء إعلان حركة العدل والمساواة في 20 فبراير/ شباط عن توقيع اتفاق إطاري مع الخرطوم في انجمينا ليتوج ما سبقه من خطوات تطبيع بين تشاد والسودان .
وبجانب الاتفاق الإطاري ، فإن هناك عدة أمور أخرى تعزز موقف البشير قبل انتخابات الرئاسة المقبلة من أبرزها قيام 20 حزبا سودانيا في منتصف يناير 2010 بالتوقيع مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم على ميثاق باختيار الرئيس عمر البشير مرشحا لهم في انتخابات الرئاسة.
وتعرف تلك الأحزاب باسم “أحزاب حكومة الوحدة الوطنية” وتضم حزب “الحركة الشعبية – التغيير الديمقراطي” بزعامة الدكتور لام أكول المنشق عن الحركة الشعبية في الجنوب .
وأشارت الأحزاب الموقعة في الوثيقة إلى أن ترشيح البشير يأتي لاستكمال متطلبات السلام الشامل متمثلة في تنفيذ ما تبقى من بنود اتفاقية 2005 بين الشمال والجنوب وسعيا نحو وقف الحرب في دارفور نهائيا والالتفات إلى عملية التنمية المتوازنة وإكمال عملية التحول الديمقراطي.
وجاء في الوثيقة أن شخصية الرئيس البشير تعتبر قاسما مشتركا لتنفيذ معظم بنود اتفاقية 2005 ، بجانب خطط التنمية الواردة في خطة الدولة الاستراتيجية.
وفي تصريحات صحفية أدلى بها بعد التوقيع على الوثيقة ، وصف الدكتور لام أكول المنشق عن الحركة الشعبية التوافق على ترشيح البشير بالأمر الطبيعي ، غير أنه اعتبر الإجماع على رجل واحد بهذه الصيغة نادرا وتاريخيا ، وقال :” من الطبيعي أن تستمر هذه القيادة ، ولا نجد سببا لتغييرها”.
وأضاف “المرحلة المقبلة مليئة بالتحديات ومن خلال فترة عملي الطويلة مع البشير فهو شخصية مقبولة لكل السودانيين وله تجربة واسعة وبصمات في تاريخ السودان”.
مبادرة القذافي
وبالإضافة إلى الوثيقة السابقة ، فإن الزعيم الليبي معمر القذافي قام هو الآخر بخطوة جيدة على طريق إنهاء أزمة درافور وبالتالي تعزيز موقف البشير قبل انتخابات الرئاسة .
وكانت ست فصائل سياسية وعسكرية من إقليم دارفور أعلنت في يناير الماضي توحدها في تجمع سياسي واحد تشارك تحت مظلته في مفاوضات الحل السليم لمشكلة الإقليم وذلك تلبية لنداء وجهه الزعيم الليبي معمر القذافي.
وأطلق على التجمع السياسي الجديد اسم “جيش تحرير السودان – القوى الثورية” ويضم ” حركة جيش تحرير السودان – القيادة الميدانية ، وحركة تحرير السودان – قيادة الوحدة ، والجبهة الوطنية للديمقراطية والعدالة والتنمية ، والحركة الوطنية للإصلاح والتنمية ، وجبهة القوى الثورية المتحدة وحركة تحرير السودان بقيادة خميس عبد الله بكر.
وشدد التجمع على وحدة السودان أرضاً وشعباً وفق معايير موضوعية جديدة تعبر عن النسيج الاجتماعي لشعب السودان ، كما شدد على خيار التفاوض السلمي كخيار استراتيجي للوصول إلى سلام عادل ودائم في دارفور.
وجدد التجمع التأكيد على أهمية دور دول الجوار الإقليمي وعلى رأسها ليبيا ومصر وتشاد واريتريا ، مؤكدا أن الباب مازال مفتوحاً لجميع الحركات الأخرى السياسية والعسكرية للانضمام إليها لتحقيق الوحدة الشاملة والكاملة.
ويبدو أن توقيت إعلان التجمع وما تبعه من تطورات يشكل عقبة كبيرة أمام مساعي الغرب الهادفة للحليولة دون فوز الرئيس عمر البشير بولاية جديدة وذلك عبر آلية المحكمة الجنائية الدولية.
ففي مطلع فبراير / شباط ، وافق قضاة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية على الاستئناف الذي قدمه المدعي العام مورينو أوكامبو ضد قرار سابق للمحكمة كان امتنع عن توجيه تهمة “الإبادة الجماعية” ضد الرئيس عمر البشير.
وطلب قضاة الاستئناف من المحكمة إعادة النظر في قرارها السابق الذي صدر في مارس 2009 ووجه للبشير اتهامات بارتكاب جرائم حرب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور ، فيما رفض حينها اتهامه بتهمة “الإبادة الجماعية” لعدم كفاية الأدلة.
ويبدو أن أوكامبو اختار توقيت التحرك لإصدار قرار ثان ضد البشير بعناية شديدة ، حيث جاء قبل أسابيع قليلة من انطلاق أول انتخابات عامة يشهدها السودان منذ ربع قرن وهو ما دفع البعض للتشكيك في نوايا أوكامبو بل ووصف تحركه أيضا بأنه يهدف إلى عرقلة فوز البشير بولاية جديدة ، إلا أن الرئيس السوداني كان له رأي آخر عبر استقباله للرئيس التشادي إدريس ديبي وتوقيع الاتفاق الإطاري .
والخلاصة أن البشير يعزز يوما بعد يوم فرصه للفوز بالانتخابات المقبلة غير عابيء بمذكرة أوكامبو.
انتخابات تاريخية
تزايد فرص فوز البشير
وكان اتفاق سلام وقع بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في اواخر 2005 أنهى حربا أهلية استمرت 21 عاما بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والجنوب ذي الأكثرية المسيحية ونص على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية اتفق على موعدها في 11 إبريل/ نيسان 2011 وعلى استفتاء لتحديد مصير الجنوب في كانون الثاني/يناير 2011.
وتكتسب تلك الانتخابات أهمية خاصة لأنها الأولى من نوعها التي تجري على أساس التعدد الحزبي منذ عام 1986 ، كما أنها تستبق استفتاء الجنوب والذي يترقبه العالم بأكمله .
وبدأت الحملة الانتخابية في 13 من فبراير/ شباط وتستمر حتى 8 من إبريل/ نيسان على أن تجري عمليات الاقتراع وفرز الأصوات وإعلان النتائج خلال الفترة ما بين 11 إلى 18 إبريل.
وفي حال لم يحصل أي من المرشحين لمنصب الرئاسة على 51 في المائة أو أكثر ستجرى جولة ثانية من الانتخابات في 10 من مايو/ أيار المقبل.
واعتمدت مفوضية الانتخابات 10 مرشحين لرئاسة الجمهورية وهم : الرئيس لحالي عمر البشير وزعيم حزب الأمة القومي رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي والقيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر عرمان وعبد الله دينق نيال عن حزب المؤتمر الشعبي (حزب الزعيم الإسلامي حسن الترابي) ومبارك الفاضل عن حزب الأمة جناح الإصلاح والتجديد وعبد العزيز خالد عن التحالف الوطني ومحمد إبراهيم نقد عن الحزب الشيوعي وحاتم السر عن الحزب الاتحادي الديمقراطي والدكتور كامل إدريس الرئيس السابق للهيئة الدولية للملكية الفكرية كمرشح مستقل ومحمود أحمد جحا كمستقل.
ورفضت اللجنة طلبات ثلاثة مرشحين آخرين هم فاطمة عبد المحمود عن تحالف قوى الشعب العاملة (حزب الرئيس السابق جعفر نميري) ومنير شيخ الدين كمرشح مستقل والبروفسور عبد الله علي إبراهيم كمرشح مستقل أيضا.
محيط – جهان مصطفى
رابط مختصر : http://www.mohammedhassan.com/?p=1869















